شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤١٨ - الحديث الأول في إثبات أن المدبر واحد
ساقطة عنهم، لامتناع التكليف بالمحال فلم يكلّف الخلق بغير ذلك المعرفة التوهمية.
و بعد ما سلم تلك المقدمة الأولى منع كلية المقدمة الأولى و هي أنّ كل موهوم يجب أن يكون مخلوقا.
ثمّ أفاد عليه السّلام أنّ الموهوم قسمان: و ذلك لأنّ من الموهوم ما يتصرّف فيه القوى الإدراكية و ذلك يستلزم المخلوقية كما بيّنا نحن مرارا و هذا القسم من التوهّم هو الذي وقع في كثير من الأخبار من نفي وقوع التوهّم على اللّه تعالى، و منها ما ليس كذلك و هي ما يسمّى «معرفة بالمقايسة» أيضا بأن يثبت العقل شيئا غير داخل في العقل و لا محدود في الوهم و لكن يعرف بالقياس الى غيره من دون أن يحكم عليه أصلا أو يخبر عنه مطلقا، كما ورد في خبر آخر حيث قال الراوي:
«أتوهّم شيئا؟» فقال الإمام عليه السّلام: «نعم، غير معقول و لا محدود» [١].
أقول: و ذلك بأن يعتقد أنّ للماهيات الإمكانية و الذوات الفاقرة مبدأ أحديّا ليس من سنخها و لا من جنسها و لا مماثلا لها و لا مشابها بها هو منتهى سلسلة العقل و مبدأ كل خير و كمال و فيّاض كل بهاء و جمال، و هذه المعرفة في الحقيقة هي معرفة الألوهية بنحو الإجمال و معرفة الذات الأحدية بالتوهم و القياس. و من البيّن أنّ هذا التوهم ليس من قبيل توهّمات الأشياء المستلزمة لتصوّرها و تعقّلها بل ذلك كما ترى بناء و نحكم بأنّه له بانيا من دون الاضطرار بأن نحكم عليه بأنّه إنسان أو ملك أو عفريت، بل حكم بناء العالم يستلزم بالاضطرار الحكم بالغيرية من جميع الوجوه لمسيس الحاجة الى إثبات الصانع للعالم من الحكم بأنّ الممكن في ذاته و كمالاته و جميع صفاته و أحواله يحتاج الى ما ليس في ذاته و كمالاته كذلك فكما أنّ الذات الأحدية ليست من سنخ الأشياء الموجودة فكذا توهّمها ليس من قبيل توهّمها، فانظر العجب! و انّ أمر اللّه كله عجب!
قوله عليه السّلام: «كل موهوم بالحواس» أي كلّ ما يتوهّم بتوسط إحدى الحواس بأن تنتزع القوة الوهمية ممّا أدركه بعض الحواس معنى من المعاني أو
[١] . التوحيد، ص ١٠٦.