شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤١٧ - الحديث الأول في إثبات أن المدبر واحد
عليه السّلام: لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنّا مرتفعا، لأنّا لم نكلّف أن نعتقد غير موهوم، و لكنّا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك ممّا تحدّه [١] الحواس و تمثّله فهو مخلوق، و لا بدّ من إثبات صانع للأشياء خارج عن الجهتين المذمومتين: إحداهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال و العدم، و الجهة الثانية [٢] التشبيه، إذ كان التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف، فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين و بالاضطرار منهم إليه ثبت [٣] أنّهم مصنوعون، و انّ صانعهم غيرهم، و ليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب و التأليف، و فيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا، و تنقّلهم من صغر الى كبر و سواد الى بياض و قوّة الى ضعف و أحوال موجودة لا حاجة بنا الى تفسيرها لثباتها و وجودها.
الشرح: منشأ هذا الإيراد أنّ السائل سأل مرّتين عن الحقيقة، و أجابه الإمام عليه السّلام في المرة الأولى بأنّه لا سبيل لأحد الى معرفة الحقيقة بوجه من الوجوه، إذ لا وجه هناك غير الذات، و كل شيء هالك عند وجهه الكريم؛ و في المرة الثانية بأنّ الممكن هو معرفة الألوهية التي هي إحدى مراتب الذات فحصل للسائل من ذلك كله أنّ ذاتا أحدية لا يبلغ إليها معرفة عارف هو الإله و المعبود و الربّ، و ليس ذلك الّا بأن يتوهّم الذات، و في زعمه أنّ كل موهوم يجب أن يكون مخلوقا لكونه ممّا يدخل في قوّة من القوى الإدراكية، و ظاهر أنّ الذي يتصرف فيه القوى المدركة يكون مخلوقا لا محالة و قد برهنّا نحن في ما سبق على صدق الكلية الثانية، فأجاب الإمام عليه السّلام بما حاصله تسليم أنّ هذه المعرفة هي معرفة التوهمية، و استدلّ عليه بأنّه لو لم يكن ذلك كافيا- و من المستحيل معرفة الحقيقة- لكان التوحيد أي تعمّل العقل لمعرفة الواحد الحق مرتفعا عن الخلق، و العبادة
[١] . ممّا تحدّه: فما تجده (التوحيد، ص ٢٤٦).
[٢] . الثانية: الثاني د.
[٣] . بالاضطرار ... ثبت: الاضطرار ... أثبت (التوحيد).