شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤١٤ - الحديث الأول في إثبات أن المدبر واحد
لمّا أوقع عليه الصفات من السميع و البصير و العالم الخبير، تفطّن السائل بأنّه و إن استحال الوصول الى معرفة الذات من حيث هي لكن يمكن معرفة الموصوف بتلك الصفات لأنّ للذات مع الصفة حكما غير ما للذات الأحدية فعسى أن يتعلق بتلك المرتبة معرفة أهل المعرفة.
فأجابه الإمام عليه السّلام بأنّه من المستحيل أن يحيط بكنهه سبحانه أحد من خلقه، بل الملأ الأعلى و أهل القرب من حضرة الكبرياء يطلبونه كما تطلبونه أنتم [١]، لكن يمكن أن يتعلق المعرفة بمرتبة الربوبية و الألوهية كل منهما لأهلها، فمنتهى معرفة العارفين و قصارى جهد المجتهدين معرفة الربوبية العظمى؛ و أمّا معرفة الألوهية الكبرى فهي لأشرف الرسل و خلفائه و الخلّص من شيعتهم كما أمر اللّه صاحب الشرع بقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [٢] و الحاصل أنّ المعرفة الممكنة للخلق بالنظر إليه سبحانه هو أنّ للممكن خالقا و صانعا له الربوبية المطلقة و الإلهية المستجمعة لجميع الصفات الحسنى و الكمالات العليا، فبالحقيقة انّما تعلقت المعرفة بهاتين المرتبتين دون تلك الذات الغير المعلومة لأحد من المصطفين.
و لنرجع الى شرح ألفاظ الخبر فنقول: ذكر الإمام عليه السّلام في جواب الربوبية أوّلا بقوله: «هو الربّ» لأنّها منتهى سير أهل العقل من أرباب النظر و المتكلّمين لأنّهم أثبتوا بمقتضى أدلّتهم أنّ للعالم خالقا صانعا مستحقا للصفات الكمالية التي لا بدّ لصانع العالم منها، و هذا عند أهل الحق هو مرتبة الربوبية العظمى.
ثمّ ذكر عليه السّلام المعبودية بقوله: «و هو المعبود» و هو ثمرة الألوهية و إجمالها، و ذلك لأنّ بعض هؤلاء إذا تداركته العناية ترقّى الى معرفة إجمال الألوهية التي فوق مرتبة الربوبية و ذلك لجماعة من أهل الحكمة المتعالية، لأنّهم أثبتوا بأنظارهم
[١] . اقتباس من الخبر المروي عن النبي (ص) كما في الفتوحات المكية، ج ١، ص ٩٥ و علم اليقين للفيض الكاشاني، ج ١، ص ٣٩: «انّ اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، و انّ الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم».
[٢] . محمّد: ١٩.