شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٦٢ - الفائدة الثانية في بيان قوله عليه السلام «و لهم فيهما الاختيار»
الفائدة الثانية في بيان قوله عليه السلام: «و لهم فيهما الاختيار»
و اعلم أنّه لمّا كان هنا [١] مظنّة أن يقال إذا كان حصول المعرفة و الجحود بصنع اللّه سبحانه مع اللزوم فكيف يتحقق الاختيار من العبد حتى يترتّب الثواب و العقاب، ذكر عليه السّلام ما يقلع أصل هذه الشبهة و يقطع متمسّك الحشوية من كل طبقة: و ذلك أن تعلم أنّ الإنسان في أول أمره و ابتداء نشئه كالهيولى الساذجة من جميع صور الاعتقادات و نقوش التصورات و التصديقات الّا التوحيد الذي فطر اللّه الناس عليه لما في مذاق نشأته من حلاوة المخاطبات الروحية و المسائلات [٢] الفتوحية، حين خاطب الكل بقوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [٣] لكن بسبب اكتسابه المقدمات الحقة و اقتناصه العقائد اليقينية، و ذلك بتوفيق اللّه تعالى له حيث جعل نشئه من أبوين مؤمنين، و قضى [٤] تعلّمه [٥] من أهل الحق العارفين، و قدّر استرشاده من العرفاء و أهل الدين، فحين يتمكّن من ترتيب تلك المقدّمات ترتيبا صالحا و يقتدر على اكتساب الآراء اقتدارا صحيحا و يتحرّك نحو المبادئ و المطالب حركة فكرية و استعدّ لأن تفيض [٦] عليه الصور العقلية و تنزل عليه الأنوار الإلهية أفاض اللّه سبحانه عليه النتيجة و لم يحرمه من الفيوضات الربانية، و ذلك لما وجب في العناية الإلهية أن يعطي كلّ مستعدّ ما يستعدّ له؛ و قد بيّنا أنّ إفاضة الصور و الكمالات و إعطاء الوجود و الذوات ممّا استأثر به الواحد القهّار نفسه الأحدية حيث حكم ببطلان الشريك في كل ذرة من الذرات الوجودية، فالصانع هو اللّه في جميع المراتب الشهودية، فثبت أنّ للعبد الاختيار حيث [٧] اكتسب في مدّة عمره
[١] . هنا:- د.
[٢] . المسائلات: السائلات ج.
[٣] . الأعراف: ١٧٢.
[٤] . و قضى: أو اقتضى د.
[٥] . تعلّمه: نقله ن.
[٦] . تفيض: يقبض د.
[٧] . حيث:- ج.