شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٤٣ - رجع الى شرح الخبر
فإن قلت: قد قام دليل العقل و النقل على أنّ ما سوى اللّه عزّ شأنه مخلوق و لا ريب أنّ الكلام غير اللّه فيكون مخلوقا؛
قلت: «الخلق» يستعمل على معان شتّى [١]: منها، أن يطلق و يراد به الإحداث المقابل للإبداع الذي هو الإيجاد لا عن مادة و مدة و لا لأجل شيء، و قد يطلق على المعنى الأعم من الإبداع و مقابله، و أكثر استعماله في الإيجاد عن مادة و مدّة بخلاف الإحداث، فانّ أكثر ما يستعمل في الإنشاء و الإظهار من مكامن [٢] الغيب الى موطن الشهود، فلذلك ورد النهي عن إطلاق المخلوق عليه، و لوجه آخر سيجيء في كلام المصنّف- رحمه اللّه دون الإحداث؛ فليتأمّل.
و أيضا انّ هذا الذي نزل بالحق قرآن من حيث كونه من عالم الأمر لقوله سبحانه: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [٣] و لا ريب أنّ هذا اللوح من عالم الأمر بل عينه و ذلك العالم مقابل لعالم الخلق لقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ [٤] فلا يصحّ إطلاق الخلق على القرآن.
و سرّ ذلك أنّ الحقائق الأمرية من عالم الوجوب أو من عالم متآخم لأفق الوجوب على اختلاف أقوال العرفاء، فلا يصحّ إطلاق الخلق عليه بوجه من الوجوه؛ فتبصّر!
و على الجملة، فليس كون الشيء خالقا و كونه مخلوقا واقعين في طرفي [٥] النقيض، أمّا على المعنى الأخصّ من الخلق فظاهر، و أمّا على المعنى الأعمّ فانّ كثيرا من الحقائق لا يتعلّق به جعل كأكثر صفات اللّه و جميع الأمور الاعتبارية على رأي من يقول بها، و انّما يصحّ عليه الإحداث و الإنشاء و الانتساب الى المبدأ الأعلى. و سيجيء زيادة تحقيق لذلك إن شاء اللّه تعالى.
[١] . شتّى: شيء د.
[٢] . مكامن: مكان ج.
[٣] . البروج: ٢٢.
[٤] . الأعراف: ٥٤.
[٥] . طرفي: طرف ج.