شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٩٠ - إشراق في ما يتعلق بقوله عليه السلام «و كان الله و لا ذكر»
إشراق
و أمّا الوجه الثاني لخلق الأسماء فهو من جهة العلة الغائية و تقريره أنّ الموجودات بعد ما صدرت عن علّتها المبدأ الأول تعالى احتاجوا في التوصل الى مبدئهم لأداء شكر نعمه الغير المتناهية و جلب المنافع المتصوّرة و دفع المضارّ المتوهّمة، و من المستبين عند من له أدنى دربة [١] في المعقول أنّ ذكر الشيء هو الوصول إليه من وجه و حضوره، لأنّ [٢] طرق الوصول الى الأشياء منحصرة في ثلاث: لأنّ إحضار الحقائق لا يمكن الّا بالعقل و التخيل و الإحساس، فحقيقة المحسوس كالحلاوة و غيرها [٣] هي ما يدركه الذوق و كذا أخواتها من غير فرق، و حقيقة المتخيّل هي ما يجده القوة الخيالية، و حقيقة المعقول هي ما يجده بالحق القوّة العقلية؛ فهذا طريق تذكّر الحقائق و حضورها لدى الذاكر لها في هذه المضايق، و لمّا كان كبرياء الأحدية أعلى من أن يصل إليه مذاهب العقول فضلا عن الخيال و [٤] الحسّ المعلول فذكرها عن هؤلاء معزول، فلذلك جعل اللّه من فضله أسماء لنفسه لتكون وسيلة لذكر العباد ربّهم، فهو أقرب الأشياء منهم الى مولاهم، و لا سبيل لهم في الذكر و لا طريق لهم في المعرفة الّا طريق الأسماء و الصفات، و ليس لهم الوصول الى خالقهم الّا بالتوسل بهذه السمات؛ فظهر ممّا قلنا أنّ خلق الأسماء انما هو لحاجة الخلق إليها و اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [٥]، وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [٦].
إشراق في ما يتعلّق بقوله عليه السّلام: «و كان اللّه و لا ذكر»
لمّا كان الوجه الثاني لخلق الأسماء و هو بيان الغاية من وجودها مع قطع النظر
[١] . دربة: درية ن م.
[٢] . لأنّ: و انّ د.
[٣] . غيرها: غيرهما د.
[٤] . و:- م.
[٥] . اقتباس من آل عمران: ٩٧.
[٦] . ص: ٨٨.