شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١١ - محاكمة عرفانية في الجمع بين رأيي الحكيمين - أفلاطون و أرسطو - في المكان
المكان، و تعانق عندك ما اشتهر من مخالفة معلّم الحكمة لأفلاطون لأنّ الأمر إذا أخذ في عالم الكون الذي هو أقرب الأشياء إلينا وجب أن ينحاز كلّ شيء عن نظرائه، و يمتاز كلّ جسم عن خلطائه، لأنّ هذا العالم موطن الافتراق و منزل الاختلاف و الانشقاق، و انّما التصاحب فيه بمحض مقارنة الظواهر، و التخالط هناك ليس الّا باتّصال النهايات.
و سرّ ذلك أنّ هذا العالم منتهى مراتب ظهور أسرار الفتوح و لا ريب أنّ نهاية الظهور هي ملابسة الأبعاد و مخالطة السطوح ففاضل القدماء و معلّم حكمة المشّاء نظر الى ذلك فحكم بأنّ أمكنة الأجسام الطبيعية هي السطوح و شرح ذلك في كتبه التي وضعها للتعليم الأول بالبسط [١] المشروح و ذلك لمناسبة هذه المعرفة لمرتبة ذلك التعليم، كما أنّ نظره في أكثر مسائل الطبيعيات و الإلهيات [كذلك] [٢] من حيث التأخير و التقديم، و أمّا أفلاطون الإلهي فلمّا كان مطمح نظره في المعارف الإلهية و معرفة أمور ما بعد الطبيعة، و لم يتعرّض كثيرا للأمور الكونية و لم يبحث بحثا طويلا عن الأحكام الطبيعية حكم بأنّ المكان هو البعد، لست أقول هذا البعد الموهوم كما هو حسبان جماعة، و لا البعد المجرّد كما زعمه [٣] طائفة، لأنّ كل ذلك باطل بما أبطل كل واحد صاحبه.
و هذا معلّم الحكمة أرسطو طاليس أيضا في كتبه الإلهية التي سماّها ب «التعليم الثاني» و «معرفة الربوبية [٤]» [٥] وافق استاده و لم يخالفه في تلك المسألة و صرّح بالبعد كل التصريح، و صحّحه حقّ التصحيح، و هذا ليس من التدافع و التناقض في شيء بل ذلك لكمال معرفته بوضع كل حكم موضعه، فانّ لكل [٦] مسألة في كل علم
[١] . بالبسط: لبسط د ج.
[٢] . كذلك: ذلك النسخ.
[٣] . زعمه: زعموا د.
[٤] . الربوبية: ربوبية م.
[٥] . و هو المعروف بإثولوجيا أو الميامر المنسوب عند المسلمين الى أرسطو و هو قسم من التاسوعات لأفلوطين.
[٦] . لكل: الكل د.