رسائل فقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٤٨ - الآية الثانية
«إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصه: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال في ذلك العصر الأوّل: «حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم».[ ١ ]
٣. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمان): ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم، وبذل المال لهم; لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهىّ عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): («ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».)[ ٢ ]
(وحصيلة الكلام أنّه: )يظهر من غضون التاريخ أنّ التقية من السلطان الجائر كان أمراً شائعاً، وكان المسلمون يعملون بالتقية صادرين عن قوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)[ ٣ ] .
[١] محاسن التأويل: ٤ / ٨٢ . ومعنى ذلك أنّ أبا هريرة اتّقى وترك الواجب أي بثّ حديث الرسول تقية وحفظ لنفسه.
[٢] تفسير المراغي: ٣ / ١٣٦.
[٣] آل عمران: ٢٨ .