رسائل فقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩ - الرسالة الرابعة بعد المائة في تحديد المعصية الكبيرة
اختلفت كلمات الفقهاء في تقسيم المعاصي إلى الكبيرة والصغيرة، وهل المعاصي تنقسم إلى هذين القسمين بالذات لا بالنسبة والإضافة، أو أن التقسيم إنّما هو إضافي لا واقعي؟
أقول: يظهر من الذكر الحكيم انقسام المعاصي بالذات إلى قسمين، يقول سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا)[ ١ ] .
فإنّ ظاهر الآية أنّ اجتناب الكبائر مكفّر للسيئات، وبما أنّه يجب أن يكون المكفِّر غير المكفَّر عنه، فيكون المراد من السيئة هو الصغيرة، وما ربّما يقال:من أنّ معنى الآية: أن تجتنبوا كبائر ما نهيتم وتركتموه في المستقبل كفّرنا عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف،[ ٢ ] على خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها أنّها تخبر عن المستقبل، في المكفِّر، والسيئة المكفَّر عنها.
يقول سبحانه: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى )[ ٣ ] .
فالآية المباركة تصف المحسنين بأنّهم هم الذين يجتنبون كبائر الإثم
[١] النساء: ٣١. ٢ . مجمع البيان: ٢ / ٣٨ . ٣ . النجم: ٣٢.