الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ١١٩ - أدلّة القول الثاني
الدلِیل الثاني
لا يخفى عليك أنّ الغرض من الملحوظ حال الوضع ما لا بدّ من لحاظه، حيث إنّ العلقة الوضعيّة نسبته بين طرفيها؛ فلا بد من ملاحظة طرفيها إمّا بالكنه و الحقيقة أو بالوجه و العنوان. و منه يظهر فساد القسم الرابع؛ لأنّ الوضع للكلّيّ لا يحتاج إلّا إلى ملاحظته، بخلاف الوضع للأفراد الغير المتناهية؛ فإنّ لحاظ الغير المتناهي غير معقول؛ فلا بدّ من لحاظها بجامع يجمع شتاتها و يشتمل متفرّقاتها و هو الكلّيّ المنطبق عليها؛ فإنّ لحاظها بالوجه لحاظها بوجه١.
أقول: إنّ الملحوظ حال الوضع قد ِیکون بالکنه و الحقِیقة، أو بالوجه و العنوان، أو بالإجمال؛ کما إذا رأِی جسماً من بعِید و لم ِیعلم أنّه حِیوان أو جماد، فوضع لفظاً بإزاء ما هو متّحد مع هذا الشخص في الواقع؛ فالموضوع له لوحظ إجمالاً و لا محالِیّة في الأمور الاعتبارِیّة، بل الاعتبار بِید المعتبر، کما سبق مفصّلاً.
الدلِیل الثالث
الخاصّ بما هو خاصّ لا يصلح لأن يكون طريقاً إلى العامّ و عنواناً مشيراً إليه. و مع إلغاء الخصوصيّة و إن صحّ وضع اللفظ له، إلّا أنّ الوضع معه يكون عامّاً، كالموضوع له- مثلاً- إذا رأينا فرداً معيّناً من البقر في الخارج و وضعنا لفظاً لجنس هذا الفرد لا يكون الوضع عندئذٍ خاصّاً- على ما توهّمه جماعة من الأعلام- بل الوضع عام؛ غاية الأمر أنّ العامّ الذي وضع له اللفظ متصوّر بالإجمال بواسطة عنوان مشير إليه و هو جنس هذا الفرد٢.
أقول: لا مشاحّة في الاصطلاح؛ فإنّ تصوّر الشيء الخاصّ و وضع اللفظ له و لأمثاله هل هو من قبِیل القسم الثاني أو القسم الرابع؟ و الأمر سهل.
١ . نهاية الدراية في شرح الكفاية (ط. ق)١: ٢٤.
٢ . مصباح الأصول (مباحث الألفاظ)١: ٥٧.