الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ١١٥ - القول الثالث عدم إمکان القسم الثالث
بوجه مّا؛ فإنّ الإنسان قد ِیتصوّر شِیئاً رآه من بعِید و ِیجعل له اسماً و لا نعلم منه الخصوصِیّات أصلاً و لا محالِیّة في ذلك؛ ثمّ ِیستعمل و بکثرة الاستعمال ِیصِیر وضعاً تعِیّنِیّاً. و الأمور الاعتبارِیّة لا تأتي فِیها الاستدلالات الفلسفِیّة و المحالِیّة أصلاً.
و قال الشِیخ حسِین الحلّيّ رحمه الله : «إنّ الاستعمال الواحد لا يعقل فيه الوضع لكلّ فرد من أفراد العام؛ على أنّ فيه إشكالاً آخر و هو أنّ كون الموضوع له هو كلّ واحد من الأفراد الخاصّة يقتضي تصوّر كلّ واحد من تلك الأفراد بخصوصه و لا يكفي فيه تصوّر العام؛ لأنّه إنّما يكون تصوّراً للخاصّ بما أنّه مصداق للعام، لا بخصوص الخاصّ و شخصه.
فإن كان الموضوع له هو الخاصّ بما أنّه مصداق لذلك العام، كان من قبيل الوضع العامّ و الموضوع له العامّ و إن كان الموضوع له هو الخاصّ بخصوصيّته بحيث تكون الخصوصيّة داخلةً في الموضوع له، لم يكف فيه تصوّر العام؛ بل لا بدّ فيه من تصوّر تلك الخصوصيّات بشخصها و تصوّر الخصوصيّة و إن كان ممكناً من تصوّر العام، إلّا أنّه من قبيل الانتقال من تصوّر العامّ إلى تصوّر الخاصّ و بعد تصوّر الخصوصيّة- و لو بواسطة تصورّ العامّ- نضع اللفظ لتلك الخصوصيّة؛ فيكون حينئذٍ من قبيل الوضع الخاصّ و الموضوع له خاص، فتأمّل»١.
أقول، أوّلاً: قوله رحمه الله : «إنّ الاستعمال الواحد لا يعقل فيه الوضع لكلّ فرد من أفراد العام» مورد الملاحظة، حِیث إنّ غِیر المعقولِیّة مربوط بالأمور التکوِینِیّة. و أمّا الأمور الاعتبارِیّة فلا معنِی لعدم المعقولِیّة؛ فالأولِی التعبِیر ب «ِیناسب أو لا ِیناسب» في هذه المقامات.
و ثانِیاً: أنّ الإشکال الآخر و هو قوله رحمه الله : «و لا يكفي فيه تصوّر العامّ ...» لا دلِیل علِیه؛ بل ِیکفي في الأمور الاعتبارِیّة تصوّر العامّ و الوضع لکلّ واحد من الأفراد الخاصّة؛ إذ لا محالِیّة و الوجدان شاهد علِی وقوع ذلك في الأزمنة المتعدّدة و الأمکنة الکثِیرة؛ فلا دلِیل علِی عدم إمکان القسم الثالث أصلاً.
١ . أصول الفقه١: ٤٠- ٤١.