الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤١٦ - المقام الثاني في ثبوت الحقیقة الشرعیّة و عدمه
١. (أَ رَأَيْتَ الذي يَنْهى)} (عَبْداً إذا صَلَّى)١. ... فقد نزلت هذه الآيات في أوائل البعثة، مع أنّ الصلاة فرضت في ليلة المعراج و كان عروجه إلى السماء في العام العاشر من الهجرة و قد ورد لفظ الصلاة في السور المكّيّة. كلّ ذلك يدلّ على أنّ العرب المعاصرين لعصر الرسالة كانوا يستعملون تلك الألفاظ في نفس هذه المعاني، بلا قرينة و أنّ الوحي اتّبع اللغة الدارجة بين قوم النبيّ|.
و يؤيّد ذلك أيضاً أنّ جعفر بن أبي طالب عرّف دين النبيّ| لملك الحبشة بكلام مفصّل و كان ذلك في العام الخامس من البعثة و قد جاء في ثناياه:
أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهليّة نعبد الأصنام إلى أن قال: و أمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام فصدّقناه و آمنّا ... ٢. كلّ ذلك يعرب عن شيوع استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني يوم ذاك و قد خاطب رئيس الوفد جعفر بن أبي طالب ملكَ الحبشة بلغة قومه و بالتالي خاطب النبيّ| الناس أيضاً بلغة قومه و قال سبحانه: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ)}. ثمّ إنّ القوم نظروا إلى القسم الأوّل من الآيات الدالّة على ثبوت هذه الحقائق في الشرائع السماويّة و غفلوا عن القسم الثاني منها الدالّ على التعبير عنها في بدء البعثة بنفس هذه الألفاظ، كما غفلوا عن انتشار هذه المفاهيم بين الجزيرة العربيّة، فقد كانوا يعبّرون عنها بهذه الألفاظ»٤.
أقول: کلامه رحمه الله متِین و لا ِیخفِی أنّ الثمرة مترتّبة علِی جمِیع الفروض؛ فإنّ هذه الألفاظ لا بدّ من حملها علِی المعاني الشرعِیّة، سواء کانت في الشرائع السابقة أضِیفت إلِیها قِیود و شروط أو لا.
١ . العلق: ٩- ١٠.
٢ . دلائل الإمامة (ط. ج): ١٢.
٣ . إبراهيم: ٤.
٤ . إرشاد العقول إلى مباحث الأصول١: ١٢٦- ١٢٨ (التلخِیص).