الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ١٠٦ - القول الثالث
لما قدروا عليه، فما ظنّك بشخص واحد؛ مضافاً إلى كثرة المعاني التي يتعذّر تصورّها من شخص أو أشخاص متعدّدة١.
أقول: ِیمکن توجِیه کلامه رحمه الله بأنّ للّه- تعالِی- أحکاماً في کلّ زمان و مکان و لا بدّ من إِیصالها إلِی الناس حتِّی ِیعملوا بها؛ فلا بدّ من إنشاء ألفاظ لتفهِیم المعاني المقصودة حتِّی ِیمکن فهم أحکامه- تعالِی، فألهم العباد بألفاظ للمعاني لِیفهموا الأحکام؛ فکلّ لغة من اللغات في الألسنة المختلفة و في الأمکنة المختلفة بإلهام من الله- لفهم الأحکام- للأنبِیاء و الرسل و النائبِین لهم. و لو لا الإلهام ِیتعذّر أو ِیتعسّر وضع اللغات بهذه السعة.
و هذا الکلام بهذا المقدار تمکن المساعدة علِیه و إن کان لا دلِیل قطعيّ علِیه، بل ِیحتمل ذلك؛ إذ ِیمکن أن تتحقّق اللغات المختلفة في الألسنة المختلفة بکثرة الاستعمال حتِّی ِیحصل الوضع التعِیّنيّ أو الوضع التعِیِینيّ بوضع الواضع. و لا مشکل في ذلك، بل ِیساعد علِیه العرف و التارِیخ، حِیث إنّ تکثِیر الألفاظ بمرور الزمان شاهد علِی کونها وضعِیّةً جعلِیّةً. و هذا ِیشاهد في کلّ لغة. و بهذا ِیمکن الجمع بِین الأقوال؛ إذ المحقّق النائِینيّ رحمه الله ِیقول بالجعلِیّة من البشر، لکن بإلهام من الله- تعالِی- و قال بعض آخر بالجعلِیّة و عدم الاحتِیاج إلِی الإلهام من الله- تعالِی، فلا اختلاف من حِیث القول بالجعلِیّة إمّا بإلهام أو غِیره. و الأمر سهل.
القول الثالث
إنّ دلالة الألفاظ على المعاني ليست ذاتيّةً؛ بل من ناحِیة الوضع إلّا في باب أسماء الأصوات، فيوجد فيها ربط ذاتيّ بين المعاني و الألفاظ، كما هو ظاهر٢.
أقول: لا دلِیل علِی ذلك الربط الذاتي؛ بل لو کان ربط ذاتي، فِیمکن ادّعاء ذلك في لغات
١ . المصدر السابق: ١١- ١٢.
٢ . أنوار الأصول١: ٤٧.