روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ٧٦٨ - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالرَّحِيلِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ الْمَمْنُوعِ أَهْلُهَا مِنَ الْحَيَاةِ الْمُذَلَّلَةِ أَنْفُسُهُمْ بِالْمَوْتِ فَلَا حَيٌّ يَطْمَعُ فِي الْبَقَاءِ وَ لَا نَفْسٌ إِلَّا مُذْعِنَةٌ بِالْمَنُونِ فَلَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَمَلُ وَ لَا يَطُلْ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ وَ لَا تَغْتَرُّوا فِيهَا بِالْآمَالِ وَ تَعْبُدُوا اللَّهَ أَيَّامَ الْحَيَاةِ فَوَ اللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوَالِهِ الْعَجْلَانِ وَ دَعَوْتُمْ بِمِثْلِ دُعَاءِ الْأَنَامِ وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِ الرُّهْبَانِ وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كَتَبَتُهُ وَ حَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلًا فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ وَ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ وَ بِاللَّهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلُوبُكُمُ انْمِيَاثاً وَ سَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ وَ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَتِ الدُّنْيَا بَاقِيَةً مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ
______________________________
«فأزمعوا» أي صححوا العزم
يا
«عباد الله بالرحيل» و الارتحال و قطع التعلق «من هذه الدار إلخ
مذعنة» متيقنة بالمنون و الموت «فو الله إلخ» تنبيه على عظيم ثواب
الله و ما ينبغي أن يرجى منه و على عظيم عقابه، و ما ينبغي أن يخاف «و الوله
العجلان» جمع و إله و عجول و هما من الإبل و النوق التي تفقد أولادها و الجؤار
الصوت المرتفع و التبتل الانقطاع إلى الله تعالى بالإخلاص، و المعنى أن الذي أرجوه
من ثوابه للمتقرب إليه منكم أكثر مما يتصوره المتقرب إليه أنه يصل إليه بتقربه
بجميع أسباب القربة، و الذي أخافه من عقابه أكثر من العقاب الذي يتوهم أنه يدفعه
عن نفسه بذلك فينبغي لطالب الزيادة في المنزلة عند الله أن يخلص بكليته في التقرب
إلى الله تعالى ليصل إلى ما هو أعظم مما يتوهم أنه يصل إليه من المنزلة عنده، و
ينبغي للهارب إليه من ذنبه أن يخلص في الفرار إليه ليخلص من هول ما هو أعظم مما
يتوهم أنه يدفعه عن نفسه بوسيلة، فإن الأمر فيما يرجى و يخاف من أمر الآخرة أعظم
مما يتصوره عقول البشر ما دامت في عالم الغربة.
«و بالله لو انماثت» و ذابت «قلوبكم انمياثا» خوفا منه تعالى «ما جزت