روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ٣٧٤ - بَابُ التَّعْقِيبِ
.........
______________________________
فأمر النبي صلى الله عليه و آله و سلم أن يتبع الكفار فلم يلحق رسول الله صلى الله
عليه و آله و سلم إلا سبعون من أصحابه فقال صلى الله عليه و آله و سلم مع أصحابه
هذه الكلمة و اتبعهم و الحال أن الشيطان وسوس الكفار بأنكم هزمتم محمدا و أصحابه
فارجعوا و استأصلوهم، فلما أرادوا الرجوع وصل إليهم شخص، و قال رأيت محمدا توجه
إليكم مع جماعة كثيرة فخافوا و لم يرجعوا (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ
اللَّهِ وَ فَضْلٍ) و هو عدم مراجعة الكفار و انهزامهم مع كثرتهم و قلة
المؤمنين (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) من الكفار، و كان في الحقيقة هذا الفتح فتحا
عظيما حصل لهم ببركة هذه الكلمة مع التوكل على الله سبحانه.
(و عجبت لمن اغتم كيف لا يفزع و لا يلتجئ إلى قوله تعالى (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ) أنزهك تنزيها عما لا يليق بك (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) على نفسي فيما سبق من عمري أو في هذه الفعلة، و هذه كلمة قالها يونس عليه السلام في بطن الحوت و حكايته مشهورة قوله (وَ كَذلِكَ) أي كما أنا أنجينا يونس نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ إذا تكلموا بهذه الكلمة مع الإقرار بالتوحيد و التنزيه و الاعتراف بالذنوب (و عجبت لمن مكر به) أي أريد المكر و العذاب به كما في مؤمن آل فرعون حين علموا إيمانه بالمواعظ التي ذكرها الله تعالى في سورته فقال (وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي) هذا أو جميع أموري (إِلَى اللَّهِ) و التفويض نوع لطيف من التوكل بأن يفعل العبد ما أمره الله تعالى و يكل أموره الدنيوية و الأخروية إليه و لا يبالي بما وقع عليه من البلايا (إِنَّ اللَّهَ) أي لأنه (بَصِيرٌ) و عالم بِالْعِبادِ و بما ينفعهم و يضرهم و قادر على إزالة المكروه عنهم إن شاء و إن لم يشأ فالمكروه محبوب (فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا) و المشهور أنه سمع أن فرعون يريد تعذيبه ليرجع عن دين موسى أو قتله إن لم يرجع هرب منهم إلى جبل، فوكل الله تعالى سباعا ضارئة لحفظه، فلما جاء شرطة فرعون ليأخذوه حمل عليهم الأسود فرجعوا و أخبروا فرعون، فقال لهم: لا تخبروا أحدا بما رأيتم لئلا يفتتن به قوم موسى (و قيل) قتلوه، و المراد بسيئات ما مكروا إرجاعه عن دينه فإنه