رسائل فقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣٧ - الشيعة أكثر ابتلاء بالتقية
يعملون بالتقية في شدة الظروف.
والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء عدد من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أو شكت أن تقضي عليهم وعلى ما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتى وإن استلزم ذلك قتل الجميع من دون رحمة، ولمّا أبصر أُولئك المحدّثون حدّ السيف مشهّراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان.[ ١ ]والقصّة صريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة، وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة.
الشيعة أكثر ابتلاء بالتقية
إنّ الشيعة عامة والإمامية خاصة أكثر الناس ابتلاءً بالتقية، وذلك لأنّ الحكومات الغاشمة من الأمويين إلى العباسيين ثم العثمانيين، يرون مذهب الشيعة خطراً على مناهجهم، فكانوا يُحرّضون الناس على الشيعة وعلى قتلهم والتنكيل بهم، ولهذه الظروف القاسية لم يكن للشيعة مفر إلاّ اللجوء إلى التقية، أو رفع اليد عن المبادئ التي آمنوا بها والتي هي عندهم أغنى من النفس والمال.
[١] تاريخ الطبري:٧/١٩٥ـ ٢٠٦.