رسائل فقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣٦ - تمهيد
من المخالف، لما أخفى عقيدته ولا سايره مع العمل.
وفي الحقيقة أنّ التقية سلاح الضعيف أمام القوي الذي لا يرحم مخالفه إلاّ باتّباعه وهو مجهّز بكل وسائل القوة والبطش والظلم، ولا يملك الضعيف سلاحاً إلاّ التقية.
ولو افترضنا أنّ في التقية بعض السلبيات فهي تتوجّه إلى مَن صادر حريات الناس وسلب حقوقهم ـ بلا وعي ـ وأجبرهم عليها.
ومن قرأ شيئاً من التاريخ، سواء أكان راجعاً إلى ما قبل الإسلام أم بعده يجد أنّ الضعفاء عبر القرون كانوا يتقنعون بهذا السلاح المعنوي لصيانتهم عن الأضرار الجسيمة التي تتوجّه إليهم، ولم يستثن منهم إلاّ الأنبياء الذي لم تكتب عليهم التقية، لأنّها لا تنسجم مع دعوى النبوة حيث إنّهم بعثوا لكسر الأصنام وتصحيح عقائد الناس ودعوتهم إلى التوحيد والاعتقاد بالدار الآخرة، ونشر المعروف وهجر المنكر، وأمّا غيرهم فالتقية في حقّهم تنقسم إلى واجب ومستحب ومكروه وحرام، كما سيوافيك بيانه.
وهذا هو مؤمن آل فرعون يعرفه سبحانه بقوله: (يَكْتُمُ إيمانَهُ) ومع ذلك كان يتّخذ من التقية غطاءً وقناعاً ويقول الحق حسب ما تسمح له الظروف، قال سبحانه:(وقالَ رَجُلٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ...).[ ١ ] فهو كان يتظاهر معهم في العقيدة والعمل، ولكنّه يعتقد خلاف ما يتظاهر به.
وإذا مررنا على تاريخ الأُمّة الإسلامية ترى أنّ العلماء الصادقين كانوا
[١] غافر: ٢٨.