إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٦ - مقدمة الكتاب
مدخول بأنّ العدليّة في الحقيقة قائلون: بأنّ كلّ ما يصل من اللّه إلى عباده تفضّل منه و إحسان [١] و النّزاع لفظيّ كيف؟ و هم قائلون: بأنّ اصول النّعم من خلق الحيّ و خلق حياته و خلق شهوته و تمكّنه من المشتهى و إكمال العقل الذي يميّز به بين الحسن و القبيح كلّها تفضّل منه تعالى سابقة على استحقاق العبد، فالفروع أولى بذلك،
و في الادعية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام: يا مبتدئا بالنعم [٢] قبل استحقاقها
! لكن تسمية بعضها استحقاقا و ثوابا إنّما هو لأنه تعالى وعد به على الطاعات، و هو الموجب له على نفسه بصادق وعده، فالوجوب الذي أثبته أهل العدل ليس المراد به الوجوب التكليفيّ الثّابت بإيجاب الغير حتّى يستلزم دعوى و يستدعي حاكما، و لا يتصوّر بدونه كما زعمه الخصم [٣] بل المراد الوجوب العقليّ و هو لا يستلزم ذلك، لأنّ مرجعه إلى صدور بعض الأشياء عنه تعالى باقتضاء حكمته له. و قد استدلوا على الوجوب المذكور بقوله تعالى:كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [٤] و قال السّيد معين الدّين الإيجي [٥] الشّافعي في بعض رسائله: أى
[١] انظر الى كلمات المحققين من أصحابنا سيما بعض المتأخرين منهم تنادى بإنكار استحقاق الثواب و الأجر على امتثال التكاليف، و أن ما ورد في الأدلة السمعية في ترتب الثواب محمول على التفضل و نحوه من المحامل، و قد حققنا ذلك أيضا في محله.
[٢]
هذه العبارة من فقرات الدعاء المروي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام بعد صلاة جعفر، أولها: يا من أظهر الجميل و ستر القبيح
ثم ان هذا الدعاء الشريف مما اشتمل على جوامع الكلم و مضامين لم تمسسه أيدي الأفكار كيف لا و هى صادرة من منابع الحكمة و العلم و المشاكى النبوية الموقدة من عالم القدس.
[٣] و قد عرفت أن من أظهر المحامل التفضل، و منهم من جعل الثواب في مقابل الانقياد.
[٤] الانعام الآية ١٢.
[٥] هو السيد معين الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه الحسنى الحسيني،