إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٥٢ - قال الناصب خفضه الله
إلا به فهو واجب، و مدرك هذا الوجوب هو السّمع كما سنحقّق بعد هذا، و أما المعتزلة و من تبعهم من الإماميّة فهم أيضا يقولون: بوجوب النّظر، لكن يجعلون مدركه العقل لا السّمع، و يعترضون على الأشاعرة بأنّه لو لم يجب النّظر إلا بالشّرع لزم إفحام الأنبياء و عجزهم عن إثبات نبوّتهم في مقام المناظرة، كما ذكره من الدّليل، و الجواب من وجهين: الاول النّقض، و هو أنّ ما ذكرتم من إفحام الأنبياء مشترك بين الوجوب الشّرعي الذي هو مذهبنا، و الوجوب العقلي الذي هو مذهبكم، فما هو جوابكم فهو جوابنا، و إنّما كان مشتركا إذ لو وجب النّظر بالعقل فوجوبه ليس ضروريّا، بل بالنّظر فيه و الاستدلال عليه بمقدّمات مفتقرة إلى أنظار دقيقة من أنّ المعرفة واجبة و أنّها لا تتمّ إلا بالنّظر، و أنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، فيقول المكلّف حينئذ: لا أنظر أصلا ما لم يجب و لا يجب ما لم أنظر، فيتوقّف كلّ واحد من وجود النظر مطلقا و وجوبه على الآخر لا يقال انه يمكن أن يكون وجوب النّظر فطرىّ القياس، فيضع النّبي للمكلّف مقدّمات ينساق ذهنه إليها بلا تكلّف، و يفيده العلم بذلك، يعنى بوجوب النّظر ضرورة، فيكون الحكم بوجوب النّظر ضروريّا محتاجا إلى تنبيه على طرفيه، [١] لأنا نقول: كونه فطريّ القياس مع توقّفه على ما ذكرتموه من المقدّمات الدّقيقة الأنظار باطل و على تقدير صحّته بأن يكون هناك دليل آخر فللمكلّف أن لا يستمع إليه و إلى كلامه الذي أراد به تنبيهه و لا يأثم بترك النّظر أو الاستماع، إذ لم يثبت بعد وجوب الشّيء أصلا، فلا يمكن الدّعوة و إثبات النّبوة، و هو المراد بالإفحام، و الجواب الثاني الحل: و هو أن يقال: النبيّ له أن يقول إذا قال المكلّف:
[١] و لا منافاة بين كون الشيء بديهيا و محتاجا الى التنبيه لكثرة المشاغل و الشواغل في نشاة الناسوت بحيث قد يكون الإنسان ذاهلا عن ما يعشقه و يتعلق به كما لا يخفى.