إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٥٣ - قال الناصب خفضه الله
لا أعرف صدقك إلا بالنّظر، و النّظر لا أفعله إلا إذا وجب علىّ و عرفت وجوبه، إنّ الوجوب عليك محقّق بالشّرع في نفس الأمر، و لكن لا يلزم أن تعرف ذلك الوجوب، فإن قال: الوجوب موقوف على علمي به، قلنا: لا يتوقّف، إذ العلم بالوجوب موقوف على الوجوب، فلو توقّف الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدّور، فليس الوجوب في نفس الأمر موقوفا على العلم بالوجوب، [١] فان قال: ما لم أعرف الوجوب لم أنظر، قلنا: ما ذا تريد من الوجوب الذي ما لم تعرفه لم تنظر؟ فان قال: أريد بالوجوب ما يكون ترك الواجب به إثما و فعله ثوابا، قلنا: فقد أثبت الشّرع حيث قلت بالثّواب، و إلا فبطل قولك: و وجوبه لا أعرف إلا بقولك، فاندفع الإفحام و إن قال: أردت بالوجوب ما يكون ترك الواجب قبيحا لا يستحسنه العقلا، و يترتّب عليه المفسدة، فيرجع إلى استحسان العقل، قلنا:
فأنت تعرف هذا الوجوب إذا راجعت العقلاء و تأمّلت فيه بعقلك، فإنّ كلّ عاقل يعرف أنّ ترك النّظر في معرفة خالقه مع بثّ النّعم قبيح و فيه مفسدة، فبطل قوله:
لم أنظر ما لم أعرف الوجوب و اندفع الإفحام، لا يقال: هذا الوجه الثّاني هو عين القول: بالحسن و القبح العقليّين، و ليس هذا مذهب الأشاعرة، بل هذا إذعان لمذهب المعتزلة و من تابعهم، لأنا نقول: ليس هذا من الحسن و القبح الذين وقع فيهما المنازعة أصلا، لأنّ الحسن و القبح بمعنى تعلّق المدح [٢] و الثواب و الذّم و
[١] و هذا غير متوجه بناء على الالتزام بالمراتب في الحكم و جعل العلم بمرتبة شرطا لتحقق مرتبة أخرى منه كما لا يخفى و المراتب هي الاقتضاء و الإنشاء و الفعلية و التنجز اما لو نوقش في تعدد المراتب له كما ذهب اليه بعض اهل العصر نظرا الى ان مرتبة الاقتضاء ليست من الحكم إذ هي الداعية و الداعي الى الشيء خارج عنه و ان المراتب في الخارجيات و الاحكام من سنخ الاعتباريات فلا مسرح للاعتراض المذكور.
[٢] و سيأتي ان الحسن و القبح بمعنى تعلق الثواب و العقاب مما اخترعه الناصب تبعا لبعض مشايخه الأشعريين و ليس منه في كلمات من سبقه عين و لا اثر.