إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٦٢ - أقول القاضى نور الله
(الطباع خ ل) و الخواص، فلو نفوا ذلك و أبطلوه و أحالوا على محض المشيّة و صرف الإرادة المجرّدة عن الأسباب و العلل و جعلوا حقيقة النّار مساوية لحقيقة الماء، و حقيقة الدّواء مساوية لحقيقة الغذاء ليس في أحدهما خاصيّة و لا قوّة يتميّز بها عن الآخر، لفسد علم الطب و بطلت حكم اللّه تعالى، بل العالم مربوط [١] بالأسباب و القوى و العلل الفاعليّة و الغائيّة، و على هذا قام الوجود بتقدير العزيز العليم [٢] و الكلّ مربوط بقضائه و قدره و مشيّته و إقداره و تمكينه. و اعتذر بعض الأشاعرة عن نفيهم لذلك بأنّ القول بقطع النّظر عن تأثير الأسباب في مسبّباتها و جعل ذلك تأثير اللّه تعالى زهد و إخلاص، بأن لا يجعل مع اللّه تعالى في العالم خالق آخر، و لا يخفى أنّ هذا اعتذار فاسد و اعتقاد رديّ، و إنّما الإخلاص و الفوز و الفلاح في الصدق و الحقّ لا في الكذب و الافتراء بما يعلم أنّه ليس كذلك مع تضمنه لكثير من الفاسد كالجبر و الظلم و خلّو بعثة الأنبياء عن الفائدة و مخالفته للعقل، بما ورد في الكتب المنزلة و اخبار الأنبياء، من ذكر الأسباب و إسناد المسبّبات إليها، و مع ما في القول بخلق الأسباب و تفويض المسببات إليها من الدّلالة على قدرة الفاعل لذلك، و إتقانه لأفعاله و بيان إحكامها و عجيب صنعها، فانّه يكون في كلّ واحد منها دلالة
مع أجداده الطاهرين و اسكنه في مستقر الشهداء المقربين آمين آمين.
[١] فان قيل: هذا ينافي ما ورد من أقوال المتكلمين: ان جميع الأشياء كلها واقعة بقدرة اللّه تعالى و لا مؤثر في الوجود الا اللّه، قلنا: ان هذا مما لم يقل به الا القائلون بالجبر، و لو سلم فلا ينافي طريقتنا، لان قولهم: ان الأشياء واقعة بقدرة اللّه تعالى، و انه لا مؤثر الا اللّه لا يقتضى نفى الأسباب لظهور أنه لو لم يكن اللّه تعالى موجودا لم يكن لشيء من الممكنات وجود أصلا، فيصح أنه لا مؤثر في الوجود ابتداء الا اللّه تعالى. منه «قده».
[٢] اقتباس من قوله تعالى في سورة يس. الآية ٣٨.