إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٢١ - قال الناصب خفضه الله
من الحروف، ثمّ يقول بحدوثه، هذا ممّا لا نزاع فيه، نعم لو قال بإثبات الكلام النّفسي ثمّ يثبت حدوثه يكون محلّ النّزاع. و اما ما استدل به على الحدوث من قوله تعالى:ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ، فهو يدلّ على حدوث اللّفظ و لا نزاع فيه، و أما الاستدلال بأنّ الأمر و الخبر في الأزل و لا مأمور و لا سامع فيه سفه كما ذكره في طامّاته، فالجواب أنّ ذلك السّفه الذي ادّعيتموه إنّما هو في اللّفظ، و أمّا كلام النّفس فلاسفه فيه، و مثاله على وفق ما ذكر، انّ الواحد منّا لو جلس في بيت وحده منفردا و رتّب [١] في نفسه أنواع الأوامر لجماعة سيأتون عنده و لا يتلفّظ به، فلا يكون سفها و لا حماقة، بل السّفيه من نسبه إلى السّفه، فالكلام النّفسي هو المعنى القائم بذات اللّه تعالى في الأزل، و لا تلفّظ بذلك الكلام، بل هو لجماعة سيحدثون، و يكون التلفظ به بعد حدوثهم و حدوث أفعالهم التي تقتضي الأمر و النّهى و الإخبار و الاستفهام، فلاسفه و لا حماقة كما ادّعاه، و بهذا الجواب أيضا يندفع ما ذكره من لزوم صدور القبيح من اللّه تعالى، لأنّ ذلك في التّلفّظ بالكلام النّفسي، و نحن نسلّم أن لا تلفظ في الأزل، بل هناك معان قائمة بذات اللّه تعالى قديمة. و أيضا يندفع ما ذكره من لزوم الكذب، لأن الصّدق و الكذب صفتان للكلام الذي يتلفّظ به لا المعاني المزوّرة في النّفس المقولة بعد هذا لمن سيحدث. و أمّا الاستدلال على حدوث الكلام بقوله تعالى:
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ لأنّه إخبار عن المستقبل فيكون حادثا فالجواب عند أنّ لفظ كن حادث، و لا نزاع لنا فيه، إنّما النّزاع في المعنى الأزلي النّفساني، و لا يلزم من كون مدلول لفظة كن في ذات اللّه تعالى حدوثه «انتهى.»
[١] و لقائل ان يقول لهذا الناصب أ هذا الترتيب و ما اتصف به من المرتبات هل هي إلا صور حاصلة و هل هي الا من مقولة العلم، عصمنا اللّه من اللداد و العناد.