إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٧٤ - أقول القاضى نور الله
بالعقل لا بالضّرورة و لا بالنّظر، لكن إذا ورد الشّرع به علم أنّ ثمّة جهة محسّنة كما في صوم آخر يوم من رمضان حيث أوجبه الشّارع، أو جهة مقبّحة كصوم أوّل يوم من شوّال حيث حرّمه الشّارع، فإدراك الحسن و القبح في هذا القسم موقوف على كشف الشّرع عنهما بأمره و نهيه، و أمّا كشفه عنهما في القسمين الأوّلين فهو مؤيّد بحكم العقل بهما إمّا بضرورته أو بنظره. ثمّ إنّهم اختلفوا. فذهب الأوائل منهم إلى أنّ حسن الأفعال و قبحها لذواتها لا لصفة فيها تقتضيهما، و ذهب بعض من بعدهم من المتقدّمين إلى إثبات صفة حقيقيّة توجب ذلك مطلقا أى في الحسن و القبيح جميعا، فقالوا: ليس حسن الفعل و قبحه لذاته كما ذهب إليه من تقدّمنا من أصحابنا، بل لما فيه من صفة موجبة لأحدهما.
و ذهب أبو الحسين من متأخّريهم إلى إثبات صفة في القبيح دون الحسن، إذ لا حاجة إلى صفة محسّنة له، بل يكفيه لحسنه انتفاء الصّفة المقبّحة و ذهب الجبائي إلى نفى الوصف الحقيقي فيهما مطلقا، فقال: ليس حسن الأفعال و قبحها لصفات حقيقيّة فيها، بل لوجوه اعتبارية [١] و أوصاف إضافيّة تختلف بحسب الإعتبار كما في لطمة اليتيم تأديبا و ظلما «انتهى كلامه».
و الحاصل أن اعتراف الأشاعرة باشتمال الفعل على ما يجده العقل قبل الشرع من صفة الكمال و النّقص و المصلحة و المفسدة الصّالحتين لمنشأيّة الأمر و النهى كما وقع عن صاحب المواقف، و قلّده فيه النّاصب هاهنا ينافي حكمهم بأنّ
هي ما اشتمل عليه الفعل من اللطف المانع من الفحشاء و الداعي الى الطاعة لكن العقل لا يستقل بمعرفته انتهى. منه «قده»
[١] و اليه ذهب أكثر أصحابنا الامامية، سيما المتأخرين منهم حيث صرحوا بكون الحسن و القبح دائرين مدار الوجوه و الاعتبارات. و قد مر بيان ذلك في التعاليق السالفة مفصلا فليراجع.