إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٦٠ - قال الناصب خفضه الله
زمانين، فالأعراض جملتها غير باقية عندهم بل هي على التّقضّي و التّجدّد ينقضي واحد منها و يتجدّد آخر مثله، و تخصيص كلّ من الآحاد المتقضّية المتجدّدة بوقته الذي وجد فيه إنّما هو للقادر المختار فانّه يخصص بمجرّد إرادته كلّ واحد منها بوقته الذي خلقه فيه و إن كان يمكن له خلقه قبل ذلك الوقت و بعده، و إنّما ذهبوا إلى ذلك لأنّهم قالوا: بأنّ السّبب المحوج إلى المؤثّر هو الحدوث، فلزمهم استغناء العالم حال بقائه عن الصّانع بحيث لو جاز عليه العدم، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، لما ضرّ عدمه في وجوده، فدفعوا ذلك بأنّ شرط بقاء الجوهر هو العرض، و لمّا كان هو متجدّدا محتاجا إلى المؤثّر دائما كان الجوهر أيضا حال بقائه محتاجا إلى ذلك المؤثّر بواسطة احتياج شرطه إليه، فلا استغناء أصلا، و استدلوا على هذا المدّعى بوجوه منها: أنّها لو بقيت لكانت باقية متّصفة ببقاء قائم بها، و البقاء عرض فيلزم قيام العرض بالعرض و هو محال عندهم هذا هو المدعى و الدّليل. و ذهبت الفلاسفة و من تابعهم من المعتزلة و الإماميّة إلى بقاء الأعراض، و دليلهم كما ذكر هذا الرّجل أنّ القول بخلافه مكابرة للحسّ و تكذيب للضّرورة، و الجواب أن لا دلالة للمشاهدة على أنّ المشاهد أمر واحد مستمرّ لجواز أن يكون أمثالا متواردة بلا فصل، كالماء الدّافق من الأنبوب [١] يرى أمرا واحدا مستمرّا بحسب المشاهدة و هو في الحقيقة أمثال تتوارد على الاتّصال فمن قال: إنّه أمثال متواردة كان ينبغي على ما يزعمه هذا الرّجل أن يكون سوفسطائيّا منكرا للمحسوسات، و كذا جالس السّفينة إذا حكم بأنّ الشّط ليس بمتحرّك كان ينبغي أن يحكم بأنّه سوفسطائي لأنّه يحكم بخلاف الحسّ، و قد صوّرنا قبل هذا مذهب السّوفسطائيّة، و يا ليت هذا الرّجل كان لم يعرف لفظ السّوفسطائي، فانّه يطلقه في مواضع لا ينبغي أن يطلق فيها و هو
[١] الأنبوب: ما بين العقدتين من القصب، أو الرمح، و يستعار لكل أجوف مستدير كالقصب و منه انبوب الكوز قصبته انتهى. ثم لو مثل الناصب بالشعلة الجوالة لكان انسب.