إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٤٢ - أقول القاضى نور الله
طنبور طامّات شيخه الأشعري لا كسرا لما سمّاه طامّاتا من كلام غيره و أما الحادي عشر، فلأنّ ما سنح له بعد التّأمل في مسألة الرّؤية من جعل النّزاع لفظيّا و ظنّ أنّه لم يسبقه أحد من علماء السّلف، ففيه أنّه من بعض الظنّ، [١] لأنّ إمامه فخر الدّين الرازي و شيخه الفاضل التّفتازاني [٢] قد سبقاه في ذلك، لكنّه رجوع صريح و هرب فضيح من غير عذر يفي بإصلاح قباحته، و يدفع لوث لوم الفرار عن ساحته، فإنّ جعل النّزاع المشهور الممتدّ بين الجمهور على مرّ الدهور لفظيّا بأمثال التكلّفات التي ارتكبوها كما ترى، مع أنّ بعده عن التّوفيق في التّوفيق المذكور ظاهر، لظهور أنّ ما فرّعه على ما نسجه بقوله: فعلى هذا تكون الرّؤية علما خاصّا و انكشافا تامّا غير متفرّع على ما نقله عن الإماميّة في معنى الحديث المشهور كيف؟ و قد نقلنا سابقا عن المصنّف في كتاب نهج المسترشدين: أنهم جعلوا الإحساس بأقسامه مقابلا للعلم و الإعتقاد، و بهذا ظهر كذب ما ذكره بعيد ذلك من اتّفاق الفريقين: على أن رؤية اللّه تعالى هي العلم التّام و الانكشاف الكامل، و اتّضح أنّ ما تكلفه من التّوفيق بين الفريقين صلح من غير تراضى الخصمين، فالأولى به أن يتركه في مخلات [٣] حماقاته، أو يخصّ نفعه بأعقابه و أهل موالاته، و ما أشبه تكلّفه هذا بما يحكى: أنّه قد سمع بعض الأكارين [٤] و البقارين [٥] أنّ العنبر
[١] إيماء الى قوله تعالى:إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ في سورة الحجرات. الآية ١٢.
[٢] هو العلامة المحقق سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، توفى سنة ٧٩٣ أو ٧٩٢، و له تآليف نفيسة اشهرها المطول في شرح تلخيص المفتاح، و كتاب المقاصد في الكلام و غيرهما.
[٣] المخلات: ما يجعل فيه النبات و يعلق في عنق الدابة.
[٤] الأكارين. جمع الأكار و هو حارث الأرض.
[٥] البقارين. رعاة البقر و أربابها.