تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٥٢ - من من
ذلكَ، لو قالَ: رَأَيت الرَّجُلَ قُلْت: مَنِ الرَّجلُ، بالرَّفْعِ، لأنَّه ليسَ بعلم، و إن قالَ: مَرَرْتُ بالأَميرِ، قُلْت: مَنِ الأَمِيرُ، و إنْ قالَ: رَأَيْتُ ابن أَخِيكَ، قُلْت: مَنِ ابنُ أَخِيك، بالرَّفْعِ لا غَيْر؛ قالَ: و كذلِكَ إذا أَدْخَلْت حَرْفَ العَطْفِ على مَنْ رَفَعْتَ لا غَيْر، قُلْت: فَمَنْ زيدٌ و مَنْ زيدٌ، و إن وَصَلْتَ حَذَفْتَ الزِّيادَات، قُلْت: مَنْ هذا.
و تقولُ في المرأَةِ: مَنَةً و مَنْتانْ و مَنَاتْ ، كُلُّه بالتَّسْكِين، و إن وَصَلْتَ قُلْت: مَنَةً يا هذا، و مَنَاتٍ يا هؤلاء.
*و ممَّا يُسْتدركُ عليه:
إذا جَعَلْتَ مَنْ اسْماً مُتَمَكِّناً شَددتَه لأنَّه على حَرْفَيْن كقَوْلِ خِطامٍ المُجاشِعيّ:
فرَحلُوها رِحْلَةً فيها رَعَنْ # حتى أَنَخْناها إلى مَنٍّ و مَنْ [١]
أَي إلى رَجُلٍ و أَيّ رَجُلٍ، يُريدُ بذلِكَ تَعْظِيمَ شَأْنِه، و إذا سَمَّيْتَ بمَنْ لم تشدِّدْ فقُلْتَ: هذا مَنٌ و مَرَرْتُ بمَنٍ .
قالَ ابنُ بَرِّي: و إذا سَأَلْتَ الرَّجلَ عن نَسَبِه قُلْتَ:
المَنِّيُّ ، و إن سَأَلْتَه عن بلْدَتِه قُلْتَ: الهَنِّيُّ؛ و في حدِيثِ سَطِيح:
يا فاصِلَ الخُطَّةِ أَعْيَتْ مَنْ و مَنْ
قالَ ابنُ الأَثيرِ: هذا كما يُقالُ في المُبالغَةِ و التَّعْظِيمِ:
أَعيا هذا الأَمْرُ فلاناً و فلاناً، أَي أَعْيت، كلَّ مَنْ جَلَّ قَدْرُه، فحذفَ، يعْنِي أنَّ ذلكَ ممَّا نقصرُ عنه العِبارَةُ لعظمِه كما حَذَفُوهَا مِن قوْلِهم: بعْدَ اللَّتيَّا و اللَّتِي، اسْتِعْظاماً لشأْنِ المَخْلوقِ.
و حَكَى يونُسُ عن العَرَبِ: ضَرَبَ مَنٌ مَناً ، كقَوْلِكَ ضَرَبَ رَجُلٌ رَجُلاً.
و قَوْلهم في جَوابِ مَنْ قالَ: رَأَيْت زيداً المَنِّيُّ يا هذا، فالمَنِّيُّ صفَةٌ غيرُ مُفِيدَةٍ، و إنَّما مَعْناهُ الإضافَة إلى مَنْ ، لا يُخَصُّ بذلِكَ قَبيلَةٌ مَعْروفَةٌ، و كَذلكَ تقولُ: المَنِّيَّانِ و المَنِّيُّون و المَنِّيَّة و المَنِّيَّتانِ و المَنِّيَّات ، فإذا وَصَلْتَ أَفْرَدْتَعلى ما بَيَّنَه سِيْبَوَيْه.
و تكونُ مَنْ للاسْتِفهامِ الذي فيه معْنَى التَّعَجُّبِ نَحْو ما حَكَاه سِيْبَوَيْه مِن قوْلِ العَرَبِ: سُبْحان اللَّه مَنْ هو و ما هو؛ و قَوْل الشَّاعِرِ:
جادَتْ بكَفَّيْ كان مِنْ أَرْمَى البَشَرْ
يُرْوَى بفتْحِ الميمِ، أَي بكَفَّيْ مَنْ هو أَرْمَى البَشَر، و كانَ على هذا زَائِدَة، و الرَّوايَةُ المَشْهورَةُ بكسْرِ الميمِ.
من [من]:
و مِنْ ، بالكسْرِ: حَرْفُ خَفْضٍ يأْتي على أَرْبَعَةَ [٢] عَشَرَ وَجْهاً:
الأوَّل: لابْتِداءِ الغايَةِ و يُعَرَّفُ بمَا يَصحُّ له الانْتِهاءُ، و قد يَجِيءُ لمجرَّدِ الابْتِداءِ من دُون قَصْدِ الانْتِهاءِ مَخْصوصاً نَحْو أَعُوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فابْتِداءُ الاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن الانْتِهَاءِ غالِباً و سائِرُ مَعانِيها رَاجِعَةٌ إليه. و رَدَّها الناصِرُ البَغْدادِيُّ في منْهاجِه إلى البَيانِيَّة دَفْعاً للاشْتِراكِ لشُمُولِه جمعَ مَوارِدِها.
قالَ شيْخُنا، رحِمَه اللَّهُ تعالى: و هو خِلافُ ما نَصَّ عليه أَئِمَّةُ الصَّرْف [٣] في الأَماكِنِ، و مِثَالُه قَوْلُه تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمََانَ [٤] نَزَلَ فيه مَنْزلَةَ الأماكِنِ، و هذا كقَوْلِهم: كتَبْت مِن فلانٍ إلى فلانٍ، و قَوْلُه تعالى: مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى [٥] ، هو كقَوْلِهِم: خَرَجْتُ مِن بَغْدادَ إلى الكُوفَةِ. و يَقَعُ كذلِكَ في الزَّمانِ أَيْضاً كما ١٦- في الحدِيثِ : «فمُطِرْنا مِن الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ » . و عليه قَوْلُه تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [٦] . و يَقَعُ في المَعانِي: نَحْو قَرَأْتُ القُرْآنَ مِن أَوَّلِه إلى آخِرِه.
الثَّاني: و
____________
٧ *
للتَّبْعِيضِ، نَحْو قَوْلِه تعالَى: مِنْهُمْ مَنْ
[١] اللسان و الثاني في الصحاح.
[٢] في مغني اللبيب ص ٤١٩: «خمسة عشر» .
[٣] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: أئمة الصرف الخ كذا بالنسخ و حرره» .
[٤] النمل، الآية ٣٠.
[٥] الإسراء، الآية ١.
[٦] التوبة، الآية ١٠٨.
[٧] (*) ساقطة من الأصل.