تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٨٨ - سكن سكن
و السَّكِينَةُ ، كسَفِينَةٍ، و السِّكِّينَةُ ، بالكسْرِ مشدَّدةً. *قلْتُ: الذي حُكِي عن أَبي زيْدٍ بالفتْحِ مشدَّدَة، و لا نَظِير لها، إذ لا يُعْلَم في الكَلامِ فِعِّيلَة؛ و حُكِي عن الكِسائيّ السِكِينَة بالكسْرِ مخَفَّفَة، كذا في تَذْكَرَةِ أَبي عليٍّ، فالمصنِّفُ أَخَذَ الكَسْرَ مِن لُغَةٍ و التَّشدِيدَ مِن لُغَةٍ فَخَلَطَ بَيْنهما و هذا غَرِيبٌ، تأَمَّل ذلِكَ؛ الطُّمَأْنينَةُ و الوَداعُ و القَرارُ و السُّكونُ الذي يُنْزِلُه اللََّه تعالَى في قَلْبِ عبْدِه المُؤْمنِ عنْدَ اضْطِرابِه من شِدَّةِ المُخاوِفِ، فلا يَنْزعِجُ بعْدَ ذلِكَ لمَا يرد عليه و يُوجِبُ له زِيادَة الإيمانِ و قوَّة اليَقِينِ و الثَّباتِ، و لهذا أَخْبَر سُبْحانه و تعالَى عن إنْزَالِها على رَسُولِه و على المُؤْمِنِين في مَواضِع القَلَقِ و الاضْطِرابِ كيَوْم الغارِ و يَوْم حُنَيْن، و قد قُرِئَ بهما أَي بالتَّخْفيفِ و التَّشْديدِ مع الكسْرِ كما هو مُقْتَضى سِياقِه، و الصَّوابُ أَنَّه قُرِئَ بالفتْحِ و الكسْرِ، و الأَخيرَةُ قِرَاءَة الكِسائيّ، فراجِعْ ذلِكَ.
و في البَصائِرِ: ذَكَرَ اللَّهُ تعالَى السَّكِينَةَ في ستَّةِ مَواضِعَ مِن كتابِهِ:
الأوَّل: قوْلُه تعالَى: وَ قََالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلتََّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمََّا تَرَكَ آلُ مُوسىََ وَ آلُ هََارُونَ [١] .
الثَّاني: قوْلُه تعالَى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ فِي مَوََاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضََاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمََا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ `ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلىََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا [٢] .
الثَّالثُ: قوْلُه تعالَى: إِلاََّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللََّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا [٣] . الرابعُ: قوْلُه تعالَى: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدََادُوا إِيمََاناً مَعَ إِيمََانِهِمْ وَ لِلََّهِ جُنُودُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [٤] .
الخامسُ: قوْلُه تعالَى: لَقَدْ رَضِيَ اَللََّهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبََايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مََا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثََابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [٥] .
السادس: قوْلُه تعالَى: إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجََاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلىََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ [٦] ؛ قالَ: و كانَ بعضُ المشايخِ الصَّالِحين إذا اشْتَدَّ عليه الأَمْرُ قرَأَ آياتَ السّكِينَةِ فيرى لها أَثراً عَظِيماً في سكونٍ و طُمَأْنِينةٍ.
و ١٧- قالَ ابنُ عبَّاس، رضِيَ اللََّه تعالَى عنه : كلُّ سَكِينةٍ في القُرآنِ فهي طُمَأْنِينةٌ إلاَّ في سورَةِ البَقَرَةِ. و اخْتَلفُوا في حَقيقَتِها هل هي قائِمَة بنفْسِها، أَو معنى على قَوْلَيْن و على الثاني فقالَ الزجَّاجُ: أَي فيه ما تَسْكُنُونَ به إذا أَتاكُم. و قالَ عطاءُ بنُ أَبي رباحٍ: هي ما تَعْرفُونَ مِن الآياتِ فتَسْكُنُونَ إليها.
و قالَ قتادَةُ و الكَلْبيُّ: هي مِنَ السكونِ أَي طُمْأَنِينَة مِن ربِّكُم ففي أَيِّ مكانٍ كانَ التابوتُ اطْمَأَنّوا إليه و سَكَنُوا ، و على القوْلِ الأوَّلِ اخْتَلفوا في صفَتِها ١- فرُوِي عن عليٍّ، رضِيَ اللََّه تعالَى عنه و كرَّمَ وجْهَه : فأَنْزَلَ اللََّه تعالى عليه السّكِينَةَ ، قالَ: و هي رِيحٌ خَجُوجٌ. أَي سَرِيعَةُ المَمَرِّ.
و ١- رُوِي عنه أَيْضاً في تفْسِيرِ الآيةِ أنَّها رِيحٌ صفاقَةٌ لها رأْسانِ و وَجْه كوَجْهِ الإنْسانِ. ؛ و ١٦- وَرَدَ أيْضاً أنَّها حيوانٌ لها وَجْه كوَجْهِ الإنْسانِ مُجْتَمِع و سائِرُها خَلْقٌ رَقِيقٌ كالرِّيحِ و الهواءِ.
أَو هي شيءٌ كانَ له رأْسٌ كرأْسِ الهِرِّ مِن زَبْرَجَدٍ و ياقُوتٍ ؛ و قيلَ: من زمردٍ و زَبَرْجَدٍ له عَيْنان لهما شُعاعٌ
[١] البقرة، الآية ٢٤٨.
[٢] التوبة، الآيتان ٢٥ و ٢٦.
[٣] التوبة، الآية ٤٠.
[٤] الفتح، الآية ٤.
[٥] الفتح، الآية ١٨.
[٦] الفتح، الآية ٢٦.