تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩١ - كون كون
هذه الآيَة قالَ: أَي أَنْتُم خَيْر أُمَّةٍ، قالَ: و يقالُ مَعْناه كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ في عِلْمِ اللّهِ.
و عليه خَرَّجَ بعضٌ قَوْلَه تعالى: وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً رَحِيماً* [١] ، لأنَّ كانَ بمَنْزلَةِ ما في الحالِ، و المعْنَى:
و اللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ إلاَّ أَنْ كَوْنَ الماضِي بمعْنَى الحالِ قَلِيلٌ. و احْتَجّ صاحِبُ هذا القَوْلِ بقَوْلِهم: غَفَرَ اللّهُ لفلانٍ، بمعْنَى لِيَغْفِر اللّهُ، فلمَّا كانَ في الحالِ دَليلٌ على الاسْتِقْبالِ وَقَعَ الماضِي مُؤَدِّياً عنها اسْتِخْفافاً لأنَّ اخْتِلافَ أَلْفاظِ الأَفْعالِ إنَّما وَقَعَ لاخْتِلافِ الأَوْقاتِ؛ و منه قَوْلُ أَبي جُنْدبٍ الهُذَليِّ:
و كنتُ إذا جارِي دعا لمَضُوفةٍ # أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِئْزَرِي [٢]
و إنَّما يخبر عن حالِهِ لا عمَّا مَضَى مِن فِعْلِه.
و كَيْوانُ زُحَلُ مَمْنُوعٌ مِن الصَّرْفِ، و القَوْلُ فيه كالقَوْلِ في خَيْوانَ، و المانِعُ له مِن الصَّرْفِ العُجْمة، كما أنَّ المانِعَ لخَيْوان مِن الصَّرفِ إنَّما هو التّأْنِيثُ و إرادَةُ البُقْعَة أَو الأَرْض أَو القَرْجيَةِ، و سَيَأْتي.
و سَمْعُ الكِيانِ : كتابٌ للعَجَمِ. قالَ ابنُ بَرِّي: هو بمَعْنَى سَماعِ الكِيانِ ، و هو كتابٌ أَلَّفَه أَرَسْطو.
و الاسْتِكانَةُ : الخُضوعُ و الذّلُّ. جَعَلَهُ بعضُهم اسْتَفْعَلَ من الكَوْنِ ، و جَعَلَهُ أَبو عليِّ مِنَ الكَيْنِ و هو الأشْبَهُ.
و قالَ ابنُ الأنْبارِي: فيه قَوْلان: أَحَدُهما: أَنَّه مِن السَّكِينَةِ و أَصْلُه اسْتَكَن افْتَعَلَ من سَكَنَ، فمُدَّتْ فتحةُ الكافِ بأَلفٍ؛ و الثاني: أَنَّه اسْتِفْعالٌ من كانَ يكونُ .
و المَكانَةُ : المَنْزِلَةُ ؛ نَقَلَهُ الجَوْهرِيُّ.
و تقدَّمَ كَلامُ ابنُ بَرِّي قَرِيباً في الرَّدِّ عليه.
و قال الفناري في شرْحِ دِيباجَةِ المُطوَّلِ: إنَّ مِنَالعَجَبِ إيرادَ الجوْهرِيِّ المَكانَة في فصْلِ الكافِ مِن بابِ النونِ مع أَصالَةِ مِيمِها.
و التَّكَوُّنُ : التَّحَرُّكُ ؛ عن ابنِ الأَعْرابيِّ، قالَ: و تَقُولُ العَرَبُ للبَغِيضِ: لا كانَ و لا تَكَوَّنَ ، أَي لا خُلِقَ و لا تَحَرَّكَ، أَي ماتَ.
*و ممَّا يُسْتدركُ عليه:
الكَوْنُ : واحِدُ الأكْوانِ مَصْدَرٌ بمعْنَى المَفْعول.
و لم يَكُ أَصْلُه يكونُ حُذِفَتِ الواوُ لالْتِقاءِ الساكِنَيْنِ، فلمَّا كَثُر اسْتِعمالُه حَذَفُوا النونَ تَخْفيفاً، فإذا تحرَّكَتْ أَثْبتُوها، قالوا: لم يَكُنِ الرَّجُلُ؛ و أَجازَ يونُسُ حذْفَها مع الحرَكَةِ، و أَنْشَدَ:
إذا لم تَكُ الحاجاتُ من همَّةِ الفَتى # فليس بمُغْنٍ عنكَ عَقْدُ الرَّتائِمِ [٣]
و مِثْلُه ما حكَاه قُطْرُب: أنَّ يونُسَ أَجازَ لم يَكُ الرَّجُل مُنْطلقاً؛ و أَنْشَدَ للحَسَنِ بنِ عُرْفُطة:
لم يَكُ لحق سوى أَنْ هَاجَهُ # رَسْمُ دارٍ قد تَعَفَّى بالسَّرَرْ [٤]
و حَكَى سِيبَوَيْه: أَنا أَعْرِفُكَ مُذْ كُنْتَ ، أَي مُذْ خُلِقْتَ، و السَّكَوُّنُ؛ الحُدُوثُ، و هو مُطاوعُ كَوَّنَه اللّهُ تعالى؛ و ١٤- في الحدِيثِ : «فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُني » ؛ و في رِوايَةٍ: لا يَتَكَوَّنُ على [٥] صُورَتِي.
و حَكَى سِيبَوَيْه في جَمْع مَكانٍ أَمْكُنٌ ، و هذا زائِدٌ في الدَّلالَةِ على أَنَّ وَزْنَ الكَلِمةِ فَعَال دُونَ مَفْعَل.
و حَكَى الأَخْفَش في كتابِ القَوافِي: و يقُولُونَ أَزَيْداً كُنْتَ له.
قالَ ابنُ جنِّي: إن سُمِعَ عنهم ذلِكَ ففيه دَلالَةٌ على جَوَازِ تقْدِيمِ خَبَر كانَ عليها.
[١] النساء، الآية ٩٦.
[٢] شحر أشعار الهذليين ١/٣٥٨ و اللسان و الصحاح.
[٣] اللسان و الصحاح.
[٤] اللسان.
[٥] الأصل و اللسان، و في النهاية: «في صورتي» .