تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥١٥ - لن لن
فأصْلُها لكِن أَنا، فلمَّا حُذِفَتِ الهَمْزةُ للتَّخْفيفِ و أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها على نونِ لكن صارَ التَّقديرُ لكننا ، فلمَّا اجْتَمَعَ حَرْفانِ مثلان كُرِهَ ذلِكَ، كما كُرِهَ شَدَدَ و جَلَل، فأَسْكَنُوا النونَ الأُوْلَى و أَدْغَمُوها في الثانيةِ، فصارَتْ لكِنَّا ، كما أَسْكَنُوا الحرفَ الأوَّل مِن شَدَدَ و جَلَلَ و أَدْغَمُوه في الثاني فقالوا جَلَّ و شَدَّ، فاعْتَدُّوا بالحَرَكاتِ و إن كانتْ غيرَ لازِمَةٍ؛ و قَوْلُه:
فلسْتُ بآتِيه و لا أَسْتَطِيعُه # و لاكِ اسْقِني إن كان ماؤُكَ ذا فَضْلِ [١]
إنَّما أَرادَ: و لكنِ اسْقِني، فحُذِفَ النونُ للضَّرورَةِ و هو قَبِيحٌ. *و ممَّا يُسْتدركُ عليه:
لكن [لكين]:
لُكَيْنُ بنُ أَبي لُكَيْنٍ ، كزُبَيْرٍ: جنِّيٍّ جَرَتْ له مع الرَّبيع بِنْت معوذ الأنْصارِيَّةِ قصَّةٌ ذَكَرَها البَيْهقي في الدَّلائِل.
و تَلاكَنَ في كَلامِه: أَرى في نَفْسِه اللُّكْنَةَ ليُضْحِكَ الناسَ.
و لكنو : مَدينَةٌ عَظيمَةٌ بالهِنْدِ هي بيدِ الإفْرَنْج اليَوْم.
لن [لن]:
لَنْ : حَرْفُ نَصْبٍ و نَفْيٍ و اسْتِقْبالٍ. و في المُحْكَم: حَرْفٌ ناصِبٌ للأَفْعالِ، و هي نَفْيٌ لقَوْلِكَ سَيَفْعل.
و في الصِّحاحِ: حَرْفٌ لنَفْي الاسْتِقْبالِ، و تَنْصِبُ به تقولُ: لَنْ يقومَ زيدٌ.
قالَ الأزْهرِيُ [٢] : و اخْتَلَفُوا في علَّةِ نَصْبِ الفِعْلِ، فرُوِي عن الخَلِيلِ أنَّها نَصَبَتْ كما نَصَبَتْ أنْ و ليسَ ما بَعْدَها بصِلَةٍ لها، لأنَّ لَنْ تَفْعَلَ نَفْيُ سَيَفْعل فيُقَدَّم ما بَعْدَها عليها، نَحْو قَوْلِكَ: زيداً لَنْ أَضْرِبَ، كما تقولُ:
زيداً لم أَضْرِبْ انْتَهَى. و قالَ الجاربردي: هو حَرْفٌ بَسِيطٌ برأْسِه على الصَّحيحِ و هو مَذْهَبُ سِيْبَوَيْه؛ لأنَّ الأَصْلَ في الحُرُوفِ عَدَمُ التَّصَرُّفِ و ليسَ أَصْلُه لا فأُبْدِلَتِ الأَلِفُ نُوناً و جَحَدُوا بها المُسْتَقْبِلَ مِنَ الأَفْعالِ و نَصَبُوه بها خِلافاً للفرَّاءِ. قالَ أَبو بكْرٍ: و قالَ بعضُهم في قوْلِه تعالى: فَلاََ يُؤْمِنُوا حَتََّى يَرَوُا اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ ، فلَنْ يُؤْمِنوا [٣] ، فأُبْدِلَتِ الأَلِفُ من النونِ الخَفِيفَةِ؛ قالَ: و هذا خَطَأٌ لأنَّ لَنْ فَرْعٌ للا، إذ كانت لا تَجْحَدُ الماضي، و المُسْتَقبلَ و الدائِمَ و الأَسْماءَ، و لَنْ لا تَجْحَد إلاَّ المُسْتَقْبل وَحْده.
و لا لا أنْ فحُذِفَتِ الهمزةُ تَخْفِيفاً لمَّا كَثُرَ الاسْتِعمال، فالْتَقَتْ أَلِفُ لا و نونُ أنْ، و هُما سَاكِنانِ، فحُذِفَتِ الأَلِفُ من لا للسَّاكنَيْنِ و هو سكونُها و سكونُ النونِ بعْدَها فَخُلِطَتِ اللامُ بالنونِ و صارَ لَهُما بالامْتِزاجِ و التَّرْكِيبِ الذي وَقَعَ فيهما حُكْم آخَرُ خِلافاً للخَليلِ. و زَعَمَ سِيْبَوَيْه أنَّ هذا ليسَ بجيِّدٍ، و لو كانَ كذلِكَ لم يجز زيداً لَنْ يَضْرِبَ، و هذا جائِزٌ على مَذْهَبِ سِيْبَوَيْه و جَمِيعِ البَصْرِيِّين.
و حَكَى هِشامٌ عن الكِسائيِ مثْلَ هذا القَوْل الشاذِّ عن الخَلِيلِ و لم يَأْخُذْ به سِيْبَوَيْه و لا أَصْحابُه.
و لا تُفِيدُ تَوْكِيداً لنَفْي [٤] و لا تَأْبِيدَه خِلافاً للزَّمَخْشَرِيِّ فيهما في قَوْلِه تعالى: لَنْ تَرََانِي [٥] ، و هُما [٦] دَعْوَى بلا دليلِ، و فيه دَسِيسَةٌ اعْتِزاليَّةٌ حَمَلَتْه على نَفْي الرُّؤْيَةِ على التَّأْبِيدِ، و لو كانتْ للتَّأْبِيدِ لم يُقَيَّدْ مَنْفِيُّها باليومِ في قوْلِه تعالى: فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنْسِيًّا [٧] ، و لَكانَ ذِكْرُ الأبَدِ في قَوْلِه تعالى: وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [٨] تَكْراراً، و الأَصْلُ عَدَمُهُ، كما صرَّحَ به غيرُ واحِدٍ و مَرَّ تَحْقِيقُه في الراءِ.
[١] البيت في اللسان بدون نسبة، و هو في كتاب سيبويه ١/٩ و هو للنجاشي الحارثي قيس بن عمرو.
[٢] راجع قول الأزهري بتمامه في التهذيب ١٥/٣٣٢ و فيما نقله عنه صاحب اللسان.
[٣] يونس، الآية ٨٨.
[٤] في القاموس: للنَّفْيِ.
[٥] الأعراف، الآية ١٤٣.
[٦] في مغني اللبيب ص ٣٧٤: «و كلاهما» .
[٧] مريم، الآية ٢٦.
[٨] البقرة، الآية ٩٥.