تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٤ - إن إنْ
ما إنْ رَأَيْنا مَلِكاً أَغارا # أكْثَرَ منه قِرَّةً وقَارا [١]
قالَ ابنُ بَرِّي: إنْ هنا زائِدَةٌ و ليسَتْ نَفْياً كما ذكرَ.
و قولُ مَن قالَ: لا تَأْتي نافِيَةً إلاَّ و بعدَها إلاَّ أَو لمَّا ك إِنْ : كُلُّ نَفْسٍ لَمََّا عَلَيْهََا حََافِظٌ [٢] ، مَرْدودٌ بقَوْلِه، عزَّ و جَلَّ: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ بِهََذََا [٣] ، و قَوْله تعالى:
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ مََا تُوعَدُونَ [٤] .
و الثَّالِث: أَنَّها تكونُ مُخَفَّفَةً مِن [٥] الثَّقيلَةِ فتَدْخُلُ على الجُمْلَتَينِ، ففي الاسْمِيَّةِ تَعْمَلُ و تُهْمَلُ، و في الفِعْليَّةِ يَجِبُ إهْمالُها، و قد تَقدَّمَ عن الليْثِ أَنَّ مَنْ خَفَّفَ يَرْفَع بها، و أَنَّ ناساً مِن الحِجازِ يُخَفِّفونَ و ينْصِبُون على توهُّم الثَّقيلَة، و مِثَالُ الإِهْمالِ إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ ، و هي قِراءَةُ عاصِمٍ و الخَلِيلِ.
و حَيْثُ وَجَدْتَ إنْ و بَعْدَها لامٌ مَفْتوحَةٌ فاحْكُم بأَنَّ أَصْلَها التَّشْديدُ؛ قالَ الجوْهرِيُّ: و قد تكونُ مُخَفَّفَةً من الشَّديدَةِ فهذه لا بُدَّ من أَنْ تدْخُلَ اللامُ في خَبَرِها عِوضاً عمَّا حُذِفَ مِن التَّشْديدِ كقَوْلِه تعالَى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمََّا عَلَيْهََا حََافِظٌ ؛ و إنْ زيدٌ لأَخوكَ، لئَلاَّ تلتبس بإنْ التي بمعْنَى ما للنَّفي.
قالَ ابنُ بَرِّي: اللامُ هنا دَخَلَتْ فَرْقاً بينَ النَّفي و الإِيجَاب، و إنْ هذه لا يكونُ لها اسمٌ و لا خَبَرٌ، فقَوْلُه:
دَخَلَت اللامُ في خبرِها لا معْنًى له، و قد تدخُلُ هذه اللامُ مع المَفْعولِ نحو: إنْ ضَرَبتِ لزَيداً، و مع الفاعِلِ نحو قوْلِكَ: إنْ قامَ لزيدٌ.
و الرَّابع: أَن تكونَ زائِدَةً مع ما كقَوْله:
ما إنْ أَتَيْتُ بشَيْءٍ أَنْتَ تَكْرَهُهُ [٦]
و منه أَيْضاً قَوْلُ الأَغْلَب العِجْليّ الذي تقدَّمَ.
و في المحْكَم: إنْ بمعْنَى ما في النَّفْي و تُوصَلُ بها ما زائِدَة، قالَ زهيرٌ:
ما إنْ يَكادُ يُخلِّيهمْ لِوِجْهَتِهمْ تَخالُجُ الأَمْرِ إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكُ [٧]
و قَدْ تكونُ بمعْنَى قَدْ، و هو الخامِسُ من اسْتِعْمالاتِها، قيلَ: و منه قَوْلُه تعالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ اَلذِّكْرىََ [٨] ، أَي قد نَفَعَتْ، عن ابنِ الأَعْرابيِّ.
و قالَ أَبو العبَّاسِ: العَرَبُ تقولُ: إن قامَ زيدٌ بمعْنَى قَدْ قامَ زيدٌ؛ قالَ: و قالَ الكِسائيُّ: و سَمِعْتُهم يقُولُونَه فظَنَنْتُه شَرْطاً، فسَأَلْتُهم فقالوا: زيدٌ قد قامَ نُريدُ، و لا نُريدُ ما قامَ زيدٌ.
و رَوَى المُنْذريُّ عن ابنِ اليَزيدي عن أَبي زيْدٍ أَنَّه تَجِيءُ إنْ في موْضِع لقَدْ، مثْل قَوْله تعالى: إِنْ كََانَ وَعْدُ رَبِّنََا لَمَفْعُولاً [٩] ، المعْنَى لقَدْ كانَ مِن غيرِ شكِّ مِنَ القوْمِ، و مثْلُه: وَ إِنْ كََادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [١٠] ، وَ إِنْ كََادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ [١١] ؛ و قَوْله تعالى: اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ ذَرُوا مََا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبََا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [١٢] ظاهِرُ سِياقِه أَنَّ إنْ هنا بمعْنَى قَدْ، و الذي رَوَاه ابنُ اليزيدي عن أَبي زيْدٍ أَنَّه بمعْنَى إذ كُنْتُم، و مِثْلُ قَوْلُه تعالَى: فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ [١٣] ، و قَوْله تعالى:
لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ [١٤] ، أَي قَدْ شاءَ؛ و كذلِكَ قَوْلُه، أَي الشَّاعِر:
أَ تَغْضَبُ إنْ أُذْنا قُتَيبَةَ حُزَّتا [١٥]
[١] اللسان و الصحاح.
[٢] الطارق، الآية ٤، و في الآية: «إن» .
[٣] يونس، الآية ٦٨.
[٤] الجن، الآية ٢٥.
[٥] في القاموس: «عن» و الأصل كعبارة مغني اللبيب ص ٣٦.
[٦] من شواهد القاموس، و هو للنابغة الذبياني ديوانه ص ٣٦ و روايته:
ما قلت من سيء مما أتيت به # إذاً فلا رفعت سوطي إليّ يدي
فعلى هذه الرواية فلا شاهد فيه.
[٧] ديوانه ط بيروت ص ٤٧ و اللسان.
[٨] الأعلى، الآية ٩.
[٩] الإسراء، الآية ١٠٨.
[١٠] الإسراء، الآية ٧٣.
[١١] الإِسراء، الآية ٧٦.
[١٢] البقرة، الآية ٢٧٨ و فيها: «اتقوا» بدون واو.
[١٣] النساء، الآية ٥٩.
[١٤] الفتح، الآية ٢٧.
[١٥] من شواهد القاموس، و البيت بتمامه في مغني اللبيب ص ٣٩ و عجزه: