تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥١٤ - لكن لكن
قَبْلَها و لذلكَ لا بدَّ أَنْ يَتَقدَّمَها كَلامٌ مُناقِضٌ لمَا بعدَها، أَو ضِدٌّ له، تقولُ: ما جاءَني زيدٌ لكِنَّ عَمْراً قد جاءَ، و ما تكلَّمَ زيدٌ لكنَّ عَمْراً قد تكلَّمَ.
و قالَ الجاربردي: و معْنَى الاسْتِدراكِ رَفْع وَهْمٍ عن كَلامٍ سابقٍ.
و قالَ ابنُ سِيدَه: لكِنَّ حَرْفٌ تُثبتُ به بعْدَ النَّفْي.
و قالَ الكِسائيّ: حَرْفان مِنَ الاسْتِثْناءِ لا يَقَعَان أَكْثَر ما يَقَعان إلاَّ مع الجَحْدِ و هُما بَلْ و لكن ، و العَرَبُ تَجْعلُهما مِثْلَ واوِ النَّسَقِ.
و قيلَ: تَرِدُ تارَةً للاسْتِدراكِ، و تارَةً للتوكيدِ.
و قيلَ: للتَّوكيدِ دائِماً مِثْلَ إنَّ، و يَصْحَبُ التوكيدَ معْنَى الاسْتِدراكِ. و قالَ الفرَّاءُ: إذا أَدْخَلوا عليها الواوُ آثَرُوا تَشْديدَها لأنَّها رجوعٌ عمَّا أَصابَ أَوَّل الكَلامِ، فشُبِّهَتْ ببَلْ إذا كانتْ رجوعاً مِثْلها، أَلا تَرَى أَنَّك تقولُ لم يَقُمْ أَخُوكَ بَلْ أَبُوكَ، ثم تقولُ لم يَقُمْ أَخُوك لكنْ أَبوك فتَراهُما في معْنًى واحِدٍ، و الواوُ لا تَصْلحُ في بَلْ، فإذا قالوا و لكن فأَدْخَلوا الواوَ تَبَاعَدَتْ عن بَلْ إذ لم تَصْلح في بَلْ، فإذا قالوا و لكن فأَدْخَلوا الواوَ تَباعَدَتْ عن بَلْ إذ لم تَصْلح في بَلْ الواوُ، فآثرُوا فيها تَشْديدَ النونِ، و جَعَلوا الواوَ كأَنَّها أُدْخِلَت لعَطْفِ لا بمعْنَى بَلْ. و هي بَسِيطَةٌ عنْدَ البَصْرِيِّين.
و قالَ الفرَّاءُ: مُرَكَّبَةٌ من لكِنْ و أَنْ فَطُرِحَتِ الهمزةُ للتَّخْفيفِ و نونُ لكِنْ للسَّاكِنينِ. قالَ: و لذا نَصَبَتِ العَرَبُ بها إذا شُدِّدَتْ نونُها.
و قيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِن لا و الكاف، و إليه أَشارَ الجوْهرِيُّ بقَوْلِه: و بعضُ النَّحْويين يقولُ أَصْله أنَّ و اللامُ و الكافُ زَوائِدٌ، و يدلُّ على ذلِكَ أنَّ العَرَبَ تدخلُ اللامَ في خَبَرِها؛ و أَنْشَدَ الفرَّاءُ:
و لكِنَّني من حُبِّها لَعَمِيدُ [١]
و قد يُحْذَفُ اسْمُها كقَوْلِهِ:
فلَوْ كُنْتَ ضَيِّبّاً عَرَفْتَ قَرابَتِي # و لَكِنَّ زَنْجِيٌّ عَظيمُ المَشافِرِ [٢]
و يُرْوَى: غَلِيظُ المَشافِرِ.
و لكِنْ ساكِنَةَ النُّونِ ضَرْبانِ: مُخَفَّفَةٌ من الثَّقِيلَةِ و هي حَرْفُ ابْتِداءٍ لا يَعْمَلُ في شيءٍ اسم و لا فِعْل خِلافاً للأَخْفَشِ و يُونُسَ و مَنْ تَبِعَهُما، فإنْ وَلِيَها كَلامٌ فهي حَرْفُ ابْتداءٍ لمُجرَّدِ إفادَةِ الاسْتِدْراكِ و لَيْسَتْ عاطِفَةً، و يَجوزُ أنْ يُسْتَعْملَ بالواوِ نَحْو قَوْلِه تعالى: وَ لََكِنْ كََانُوا هُمُ اَلظََّالِمِينَ [٣] ، و بدُونِها نَحْو قَوْلِ زُهَيْرٍ:
إنَّ ابنَ وَرْقاء لا تُخْشَى بَوادِرُه # لكن وَقائِعَه في الحَرْبِ تُنْتَظَرُ [٤]
و إن وَلِيَها مُفْرَدٌ فهي عاطِفَةٌ بشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُما أن يَتَقَدَّمَها نَفْيٌ أَو نَهْيٌ، و يلزمُ الثاني مِثْل إعْراب الأوَّل.
و قالَ الجاربردي: إذا عَطَفَتْ لكِن المُفْرَد على المُفْرَدِ فتَجِيءُ لكِنْ بعْدَ النَّفْي خاصَّةً بعَكْسِ لا فإنَّها تَجِيءُ بعْدَ الإثْباتِ خاصَّةً كقَوْلِكَ: ما رأَيْتُ زيْداً لكِنَّ عَمْراً، أَي لكِنَّ رأَيْتَ عَمْراً فإن قُلْتَ: ما رأَيْتَ زيْداً لكِنَّ عَمْراً لم يَجِزْ؛ و الثَّاني: أنْ لا تَقْتَرِنَ بالواوِ [٥] ، و قالَ قَوْمٌ لا تكونُ مع المُفْرَدِ إلاَّ بالواوِ. و قالَ الجوْهرِيُّ: لا تَجوزُ الإمالَة في لَكِنَّ و صُورَةُ اللّفْظِ بها لا كِنَّ و كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بغيرِ أَلِفٍ و أَلِفُها غيرُ مُمَالَةٍ.
و قالَ ابنُ جنِّي: و أَمَّا قِراءَتُهم: لََكِنَّا هُوَ اَللََّهُ رَبِّي
[١] اللسان و في الصحاح: «لكميد» و صدره:
يلومونني في حب ليلى عواذلي.
[٢] من شواهد القاموس و المغني ص ٣٨٤ و البيت للفرزدق، ديوانه ص ٤٨١ و ورد البيت في الأغاني ٢١/٣٥٤ برواية:
فلو كنت ضبياً إذن ما حسبتني # و لكن زنجياً غليظاً مشافره.
[٣] الزخرف، الآية ٧٦.
[٤] شرح ديوانه ص ٣٠٦، و مغني اللبيب ص ٣٨٥.
[٥] و هو قول الفارسي و أكثر النحويين.