تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٥ - أمن أمن
لم يَعْتَقدِ التَّصْدِيقَ بقلْبِه فهو غيرُ مُؤَدِّ للأَمانَةِ التي ائْتَمَنَه اللَّهُ عليها، و هو مُنافِقٌ، و مَن زَعَمَ أَنَّ الإِيمانَ هو إِظْهارُ القَوْل دُونَ التَّصْدِيقِ بالقلْبِ فهو لا يخلو مِن أَنْ يكونَ مُنافِقاً أَو جاهلاً لا يَعْلم ما يقولُ أَو يُقالُ له.
*قُلْتُ: و قد يُطْلَقُ الإِيمانُ على الإقْرارِ باللِّسانِ فقط كقوْلِه تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [١] ، أَي آمَنُوا باللِّسانِ و كَفَرُوا بالجنانِ فتأَمَّل.
و قد يكونُ الإيمانُ إظهارُ الخُضوعِ.
و أَيْضاً: قَبولُ الشَّريعَةِ و ما أَتَى به النبيُّ صلّى اللّه عليه و سلَّم، و اعْتقادُه و تَصْديقُه بالقلْبِ؛ قالَهُ الزجَّاجُ.
قالَ الإمامُ الرَّاغِبُ، رحِمَه اللَّهُ تعالَى: الإيمانُ يُسْتَعْمَلُ تارَةً اسْماً للشَّريعَةِ التي جاءَ بها النبيُّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و تارَةً يُسْتَعْمَلُ على سَبيلِ المدْحِ، و يُرادُ به إذْعانُ النَّفْسِ للحقِّ على سبيلِ التَّصْديقِ و ذلِكَ باجْتِماعِ ثلاثَةِ أَشْياءٍ تَحْقيقٌ بالقلْبِ و إقرارٌ باللِّسانِ و عَمَلٌ بالأرْكانِ [٢] ، و يقالُ لكلِّ واحِدٍ مِنَ الاعْتِقادِ و القَوْلِ [٣] و الصِّدْقِ و العَمَلِ الصالحِ إيمانٌ .
و الأمينُ : القَوِيُ لأنَّهُ يُوثَقُ بقُوَّتِهِ و يُؤْمَنُ ضعفُه.
و قالَ ابنُ السِّكّيت، رحِمَه اللَّهُ تعالَى: الأَمينُ :
المُؤْتَمِنُ ؛ و أَيْضاً: المُؤْتَمَنُ ، و هو ضِدُّ.
و الأَمينُ : صفَةُ اللَّهِ تعالى، هكذا مُقْتَضَى سِياقِه و فيه نَظَرٌ إلاَّ أَنْ يكونَ الأَمينُ بمعْنَى المُؤْمن للغَيْرِ، و إلاَّ فالذي في صفَتِه تعالى فهو المُؤْمن جلَّ شَأنه، و معْناه أَنَّه تعالَى آمَنَ الخَلقَ من ظُلْمِه، أو آمَنَ أَوْلياءَه عذَابَه؛ عن ابنِ الأَعْرابيِّ.
و رَوَى المنْذرِي، رحِمَه اللَّهُ تعالَى عن أَبي العبَّاس:
هو المصدِّقُ عبادَه المُسْلمين يومَ القِيَامَةِ إذا سُئِلَ الأُمَمُ عن تَبْلِيغِ رُسُلِهم، فيُكذِّبونَ أَنْبياءَهم، و يُؤْتَى بسيِّدِنا محمدٍ صلّى اللّه عليه و سلّم، فيَسْأَلُونَه عن ذلِكَ فيُصدِّقُونَ الماضِينَ، فيُصدِّقُهم اللَّهُ تعالى، و يصدِّقُهم النبيُّ صلّى اللّه عليه و سلّم.
و قيلَ: هو الذي يَصْدُقُ عِبادَه ما وَعَدَهُم فهو مِن الإِيمانِ التَّصدِيقِ، أَو يُؤْمِنُهم في القِيامَةِ عَذابَه فهو مِن الأَمانِ ضِدّ الخَوْف؛ قالَهُ ابنُ الأثيرِ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى.
و ناقَةٌ أَمونٌ : وَثيقَةُ الخَلْقِ يُؤْمَنُ فُتُورُها و عِثارُها، و هو مجازٌ.
و في الصِّحاحِ: هي الموثقةُ الخَلْقِ التي أُمِنَتْ أَن تكونَ ضعيفَةً، ا هـ. و هو فَعولَةٌ [٤] جاء في موْضِعِ مَفْعولةٍ، كما يقالُ: ناقَةٌ عَضوبٌ و حَلوبٌ.
و في الأساسِ: ناقَةٌ أَمونٌ : قويَّةٌ مأْمونٌ فُتُورُها، جُعِلَ الأَمْنُ لها و هو لصاحِبِها؛ ج أُمُنٌ ، ككُتُبٍ.
و مِن المجازِ: أَعْطَيْتُه مِن آمَنِ مالِي، كصاحِبٍ: أَي مِن خالِصِه و شرِيفِه، يعْنِي بالمالِ الإِبِلَ، أو أَيَّ مالٍ كانَ، كأَنَّه لو عَقَلَ لأَمِنَ أَن يُبْدَلَ [٥] ؛ قالَ الحُوَيْدرَةُ:
و نَقِي بآمِنِ مالِنا أحْسابَنا # و نُجِرُّ في الهَيْجا الرِّماحَ و ندَّعِي [٦]
و مِن المجازِ: ما أَمِنَ أَن يَجِدَ صَحابَةً: أَي ما وَثِقَ أَن يَظْفَرَ. يقالُ ذلِكَ لمَنْ نَوى السَّفَرَ، أَو ما كادَ.
و آمينُ ، بالمدِّ و القَصْرِ، نَقَلَهما ثَعْلَب و غيرُهُ، و كِلاهُما يصحُّ مَشْهوراً، و يقالُ: القَصْرُ لُغَةُ أَهْلِ الحِجازِ: و المدُّ إشْباعٌ بدَليلِ أَنَّه ليسَ في اللغَةِ العَربيَّةِ كَلمةٌ على فاعِيلٍ.
قالَ ثَعْلَب: قوْلُهم آمينُ هو على إشْباعِ فتْحَةِ الهَمْزَةِ فنَشَأَتْ بعْدَها أَلِفٌ؛ و أَنْشَدَ الجَوْهرِيُّ في القَصْرِ لجبيرِ ابنِ الأَضْبط:
تَباعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إذ رأيْتُه # أَمينَ فزادَ اللَّهُ ما بَيْنَنا بُعْدا [٧]
[١] المنافقون، الآية ٣.
[٢] في المفردات: و عمل بحسب ذلك بالجوارح.
[٣] في المفردات: «و القول الصدق» بدون واو العطف.
[٤] في اللسان: فعولٌ.
[٥] في اللسان: «يبذل» .
[٦] من المفضلية ٨ للحادرة و يقال الحويدرِة البيت ١١، و اللسان و التهذيب و المقاييس ١/١٣٤.
[٧] اللسان و الصحاح.