تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٥٣ - من من
كَلَّمَ اَللََّهُ [١] ، و عَلامَتُها إمْكانُ سَدَّ بَعْض مَسَدّها، كقِراءَةِ ابنِ مَسْعودٍ، رضِيَ اللَّهُ تعالى عنه: حتى تُنْفِقُوا بعضَ ما تُحِبُّونَ [٢] ؛ و منه قَوْلُه تعالى: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [٣] ، فمن هنا اقْتَضَى التَّبْعِيض لأنَّه كانَ تركَ فيه بعضَ ذُرِّيَّتِه.
و الثَّالِثُ: لبَيانِ الجِنْسِ، و كَثيراً ما تَقَعُ بَعْدَ ما و مَهْما و هُما بها أَوْلَى لإفْراطِ إبْهامِهما، كقَوْلِه تعالَى: مََا يَفْتَحِ اَللََّهُ لِلنََّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاََ مُمْسِكَ لَهََا [٤] ، و قوْلُه تعالى:
مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [٥] ، و قَوْلُه تعالى: مَهْمََا تَأْتِنََا بِهِ مِنْ آيَةٍ [٦] ؛ و مِن وُقُوعِها بَعْد غَيْرهما قَوْلُه تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ يَلْبَسُونَ ثِيََاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ [٧] ، و نَحْو: فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ [٨] .
و الفَرْقُ بينَ مِن للتَّبْعِيض و مِن للتَّبْيِين أَنَّه كانَ للتَّبْعِيضِ يكونُ ما بَعْدَه أَكْثَر ممَّا قَبْلَه كقَوْلِه تعالى: وَ قََالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [٩] ، و إنْ كانَ للتَّبْيِين كانَ ما قَبْلَه أكْثَر ممَّا بَعْده كقَوْلِه تعالى: فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ و أَنْكَرَ مَجِيءَ مِن لبَيانِ الجِنْسِ قَوْمٌ و قالوا: هي في مِنْ ذَهَبٍ* و مِنْ سُنْدُسٍ* للتَّبْعِيضِ، و في مِنَ اَلْأَوْثََانِ للابْتِداءِ، و المعْنَى فاجْتَنِبُوا مِنَ الأَوْثانِ الرِّجْسَ و هو عِبادَتُها و فيه تَكَلُّفٌ، و قَوْلُه تعالَى: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً [١٠] ، للتَّبْيِينِ لا للتَّبْعِيضِ كما زَعَمَ بعضُ الزَّنادِقَةِ الطَّاعِنينَ في بعضِ الصَّحابَةِ، و المعْنَى الذين هُم هؤلاء؛ و منه قَوْلُه تعالى: اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مََا أَصََابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [١١] ، و كُلّهممُحْسِن مُتَّقّ، و قوْلُه: وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمََّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ [١٢] ، و المقول فيهم ذلِكَ كُلّهم كُفَّار.
*قُلْتُ: و منه قَوْلُه تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ [١٣] ، فإن مِنْ هنا للجِنْسِ، أَي كُلُوا الشَّيءَ الذي هو مَهْرٌ.
و قالَ الرَّاغِبُ: و تكونُ لاسْتِغراقِ الجِنْسِ في النَّفْي و الاسْتِفْهامِ نَحْو: فَمََا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حََاجِزِينَ [١٤] .
*قُلْتُ: و قد جُعِلَتْ هذه المَعاني الثَّلاثَةُ في آيةٍ واحِدَةٍ و هو قَوْلُه تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ [١٥] ، فالأُوْلى لابْتِداءِ الغايَةِ و الثانِيَةُ للتَّبْعِيضِ، و الثالِثَةُ للبَيانِ.
و قالَ الرَّاغِبُ: تَقْديرُه: يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالاً، فمِنْ الأُوْلى لابْتِداءِ الغايَةِ [١٦] ، و الثانِيَةُ ظَرْفٌ في مَوْضِع المَفْعولِ، و الثالِثَةُ للتَّبْعِيضِ كقَوْلِكَ عِنْدَه جِبالٌ مِن مالٍ، و قيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حملَ على الظَّرْفِ على أَنَّه مُنْزَلٌ عنه، و قوْلُه: مِنْ بَرَدٍ نصب أي يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فيها بَرَداً؛ و قيلَ: مَوْضِعُ مِنْ في قوْلِه: مِنْ بَرَدٍ رَفْع، و مِنْ جِبََالٍ نَصْب على أنَّه مَفْعولٌ به كأَنَّه في التَّقْدِيرِ و يُنزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالاً فيها بَرَد، و تكونُ الجِبالُ على هذا تَعْظِيماً و تَكْثِيراً لمَا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.
و
١٩ *
الَّرابعُ: بمعْنَى التَّعْلِيلِ كقَوْلِه تعالَى: ممَّا خَطاياهُم أُغْرِقُوا [١٧] ، و قَوْلُه:
و ذلكَ من نبإ جاءَني [١٨]
[١] البقرة، الآية ٢٥٢.
[٢] آل عمران، الآية ٩٢.
[٣] إبراهيم، الآية ٣٧.
[٤] فاطر، الآية ٢.
[٥] البقرة، الآية ١٠٦.
[٦] الأعراف، الآية ١٣١.
[٧] الكهف، الآية ٣١.
[٨] الحج، الآية ٣٠.
[٩] غافر، الآية ٢٨.
[١٠] الفتح، الآية ٢٩.
[١١] آل عمران، الآية ١٧٢.
[١٢] المائدة، الآية ٧٤.
[١٣] النساء، الآية ٤.
[١٤] الحاقة، الآية ٤٧.
[١٥] النور، الآية ٤٣.
[١٦] عبارة المفردات: فمن الأولى ظرفٌ، و الثانية في موضع المفعول و الثالثة للتبيين.
[١٩] (*) كذا بالاصل، و الواو ليست من القاموس.
[١٧] نوح، الآية ٢٥ و القراءة: خَطِيئََاتِهِمْ .
[١٨] تمامه: «و خبرته عن أبي الأسود» و نسبه بحاشية مغني اللبيب لامرئ القيس.