الثاقب في المناقب - ابن حمزة الطوسي - الصفحة ٥٩١ - ٣ ـ فصل في بيان ظهور آياته (ع) من الإخبار بآجال الناس وفيه حديثان
العراق ورد ، ولا يسمّي بغيره ، فسجد القاسم ، ودخل كهل قصير يُرى أثر الفيوج عليه ، وعليه جبّة مصرية ، وفي رجله نعل محاملي ، وعلى كتفيه مخلاة ، فقام إليه القاسم فعانقه ، ووضع المخلاة ، ودعا بطشت وماء ، وغسل يديه وأجلسه إلى جانبه ، فأكلنا وغسلنا أيدينا ، فقام الرجل وأخرج كتاباً أفضل من نصف الدرج ، فناوله القاسم ، فقبّله ودفعه إلى كاتب له يقال له : ابن أبي سلمة أبو عبد الله ، فأخذه وقرأه [ وبكى ] حتّى أحسَّ القاسم ببكائه ، فقال : يا أبا عبد الله ، خبر ، خرج فيَّ فيما تركته؟ قال : لا ، قال : فما هو؟
قال : نعى الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب إليَّ بأربعين يوما ، وأنّه يمرض يوم السابع بعد وصول هذا الكتاب ، وأنّ الله يردّ عليه عينيه بعد ذلك ، وقد حمل إليه بسبعة أثواب.
فقال القاسم : على سلامة من ديني؟ قال : في سلامة من دينك. فضحك وقال : ما أؤمل من بعد هذا العمر؟
فقام الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة أزر ، وحبرة يمانية حمراء ، وعمامة ، وثوبين ، ومنديلا ، فأخذه القاسم ، وعنده قميص خلعة خلعها عليه علي النقي عليهالسلام.
وكان للقاسم صديق في مهم الدنيا ، شديد النصب يقال له : عبد الرحمن بن محمد السري فوافى [١] في قوم إلى الدار ، فقال القاسم : اقرؤوا الكتاب عليه فإنّي أحبّ هدايته. قالوا هذا لا يحتمله خلق من الشيعة ، فكيف عبد الرحمن؟!
فأخرج القاسم إليه الكتاب ، وقال : اقرأه ، فقرأوه إلى موضع النعي ، فقال عبد الرحمن : يا أبا محمّد اتق الله فإنّك رجل واصل في دينك ، والله تعالى يقول : ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما
[١] في ش ، ص ، م : فورد.