الثاقب في المناقب - ابن حمزة الطوسي - الصفحة ٥٥٢ - ٦ ـ فصل في ظهور آياته في معان شتى وفيه سبعة عشر حديثاً
ثم نظر إليّ وقال : « يا يحيى ، اقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم ، واعمل على الرحيل غدا في هذا الوقت ».
قال : فخرجنا وإنّما بيننا وبين العراق مسيرة عشرة أيام ، فما يصنع بهذه الثياب؟! ثمّ قلت في نفسي : هذا رجل لم يسافر ، وهو يقدّر [١] أنّ كلّ سفر يحتاج فيه إلى هذه الثياب ، والعجب من الرّافضة حيث يقولون بإمامة هذا مع فهمه. فعدت إليه في الغد في ذلك الوقت ، فإذا الثياب قد أحضرت ، فقال لغلمانه : « ادخلوا ، وخذوا لنا معكم لبابيد وبرانس » ثمّ قال : « ارحل يا يحيى » فقلت في نفسي : هذا أعجب من الأوّل ، أيخاف أن يلحقنا الشّتاء في الطّريق حتّى يأخذ معه اللبابيد والبرانس ».
فخرجت وأنا أستصغر فهمه حتّى إذا وصلنا إلى مواضع المناظرة في القبور ارتفعت سحابة ، واسودّت وأرعدت وأبرقت حتّى إذا صارت على رءوسنا أرسلت بردا من الصخور ، وقد شدّ على نفسه وغلمانه الخفاتين ، ولبسوا اللبابيد والبرانس وقال لغلمانه : « ارفعوا إلى يحيى لبادة ، وإلى الكاتب برنسا » وتجمعنا والبرد يأخذنا حتّى قتل من أصحابي ثمانون رجلا ، وزالت ، ورجع الحرّ كما كان.
فقال لي : « يا يحيى ، أنزل من بقي من أصحابك ليدفن من مات ، فهكذا يملأ الله هذه البرية قبورا ».
قال : فرميت نفسي عن الدابّة واعتذرت إليه ، وقبّلت ركابه ورجله ، وقلت : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّدا رسول الله ، وأنّكم خلفاء الله في أرضه ، وقد كنت كافرا ، وإني الآن أسلمت على يديك يا مولاي.
قال : فتشيعت ، ولزمت خدمته إلى أن مضى.
[١] في ر ، ص ، ك : يظن ، وفي م : يعد.