التعليقة على تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٥٨١ - القول في مقادير الديات
باعتقاد القصاص، فبان الخلاف، أو بظن أنّه صيد فبان إنساناً.
(مسألة ١٩٧٥): الخطأ المحض- المعبّر عنه بالخطأ الذي لا شبهة فيه-: هو أن لايقصد الفعل ولا القتل، كمن رمى صيداً، أو ألقى حجراً، فأصاب إنساناً فقتله. ومنه ما لو رمى إنساناً مهدور الدم فأصاب إنساناً آخر فقتله.
(مسألة ١٩٧٦): يلحق بالخطأ محضاً فعل الصبيّ[١] والمجنون شرعاً.
(مسألة ١٩٧٧): تجري الأقسام الثلاثة في الجناية على الأطراف أيضاً، فمنها عمد، ومنها شبه عمد، ومنها خطأ محض.
القول في مقادير الديات
(مسألة ١٩٧٨): في قتل العمد- حيث يتعيّن الدية، أو يصالح عليها مطلقاً[٢]- مائة إبل، أو مائتا بقرة، أو ألف شاة، أو مائتا حلّة، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم.
(مسألة ١٩٧٩): يعتبر في الإبل[٣] أن تكون مسنّة، وهي التي كمّلت الخامسة ودخلت في
[١]- غير المميّز، وإلّا فالمميّز الرشيد ملحق بالبالغ، كما مرّ
[٢]- أو اختار الوليّ الدية على القول بتخيير الوليّ، كما هو المختار
[٣]- ما في المسألة وما بعدها إلى مسألة الثاني عشر من الشرائط والامور المربوطة بالأعيان الستّة كلّها، غير ما في المسألة السابعة من أداء دية العمد في سنة، مبنيّة ومنوطة بموضوعية الأعيان الستّة واعتبارها بخصوصها، كما هو الظاهر المعروف من عبارات الأصحاب، وأمّا بناءً على عدم الموضوعية لها، فإنّها تكون من باب المصداق المتعارف الغالب في زمان صدور الأخبار ومكانها في جبران الخسارة الواردة بالنفس وضمانها، فلا موضع ولا محلّ لها، وهذا هو الأقوى؛ لأنّه الظاهر المتعارف عرفاً، لعدم الخصوصية والتعبّد عندهم للأعيان في جبران الخسارة وفي الضمان في النفس؛ حيث إنّ المناط فيه بنظرهم وبنظر العقلاء وحكم العقل أصل الجبران بالمال، وجعل التالف كأن لميكن من حيث المالية ومن حيث اعتبار السوقية من الامور المُمكنة في تلف النفس، من دون دخالةٍ لنوعٍ من المال وخصوصية لها فيه، كما لايخفى، واعتبار الأعيان الستّة وموضوعيّتها وإن كان ممكناً بحسب الثبوت، إلّاأنّه لكونه تعبّداً محضاً على خلاف العرف والقواعد والأبنية العقلائية، إثباته محتاج إلى أدلّة واضحة ظاهرة قويّة جدّاً، ودون إثباته- من روايات الباب مع ما فيها من الاختلاف في عدد الأنواع من تخصيص الإبل والغنم بالذكر في بعضها، والغنم في اخرى، والنقدين أو غيرهما في ثالثة، بل في بعضها التصريح بنفي الدنانير والدراهم في الدية، ففي صحيح محمّد بن مسلم وزرارة وغيرهما عن أحدهما عليهما السلام في الدية قال:« هي مائة من الإبل، وليس فيها دنانير ولا دراهم ولا غير ذلك ...»( وسائل الشيعة ٢٩: ٢٠١/ ٧) وفي مقدار الدرهم من أنّه اثنا عشر ألف درهم أو عشرون ألف درهم أو عشرة آلاف درهم، والشاة من أنّه ألف أو ألفان، وفي كون البقر والشاة والحلل لأهلها أو للأرض التي هي فيها أو أنّها للكلّ، ومع ماذكره المدقّق المحقّق المتتبّع المقدّس الأردبيلي في شرحه« الإرشاد»،« مجمع الفائدة والبرهان» بعد بيان ما في الأخبار من الاختلاف، ونقل ما بيّنه الشيخ رحمه الله في الجمع بين الأخبار من المحامل من قوله رحمه الله:« وبالجملة، ما نعرف دليل هذه الأحكام كأنّه إجماع أو نصّ ما اطّلعنا عليه، اللّه يعلم وهو المستعان»( مجمع الفائدة والبرهان ١٤: ٣١٢)- خرط القتاد.
هذا مع ما في صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام:« وقيمة كلّ بعير من الورق مائة وعشرون درهماً، أو عشرة دنانير، ومن الغنم قيمة كلّ ناب من الإبل عشرون شاة»( وسائل الشيعة ٢٩: ١٩٤/ ٣) وصحيح ابن الحجّاج من قول أميرالمؤمنين عليه السلام:« وقيمة الدنانير عشرة آلاف درهم ...»( الاستبصار ٤: ٢٥٩/ ٣) من الإشعار أو الدلالة على عدم الموضوعية.
ثمّ إنّ الظاهر تساوي الأعيان الستّة في المالية، وذلك مضافاً إلى بُعد تشريع الاختلاف في المالية في دية الإنسان مع عدم الاختلاف في الإنسان المضمون له، أنّ الاختلاف كاللغو بعد ما يكون الاختيار بيد الجاني، ومختاره الغالب، بل الدائم هو الأقّل قيمة ومالية.
هذا، مضافاً إلى ما في خبر أبي بصير قال:« دية الرجل مائة من الإبل، فإن لميكن فمن البقر بقيمة ذلك، فإن لميكن فألف كبش ...».( وسائل الشيعة ٢٩: ١٩٧/ ١٢) وما في صحيح ابن عيينة عن الباقر عليه السلام في حديث بكون مدار الدية في كلّ أرض على ما يوجد فيها غالباً، قال: قلت له: إنّ الديات إنّما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل والبقر والغنم، قال: فقال:« إنّما كان ذلك في البوادي قبل الإسلام، فلمّا ظهر الإسلام وكثرت الورق في الناس قسّمها أمير المؤمنين عليه السلام على الورق» قال الحكم: قلت: أرأيت من كان اليوم من أهل البوادي، ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم؟ إبل؟ أو ورق؟ فقال:« الإبل اليوم مثل الورق ...».( وسائل الشيعة ٢٩: ٢٠٢/ ٨)
بل وما في خبري معاوية بن وهب والشحّام( وسائل الشيعة ٢٩: ٢٠٠/ ٢ و ٥) وغيرهما من أنّه إن لميكن إبل فمكان جمل عشرون من فحولة الغنم، من الدلالة على التساوي، كما لايخفى.
ومضافاً إلى ما عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج( وسائل الشيعة ٢٩: ١٩٣/ ١) وغيرها من أنّ الدية كانت في الجاهلية مائة من الإبل، فأقرّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، حيث إنّ الاختلاف في المالية مناف للتقرير، كما لايخفى.
وعلى هذا فأداء مالية كلّ من الستّة كافية؛ لعدم الفرق بينها في المالية، لكنّه لمّا يكون في مالية الستّة من الاختلاف الفاحش في زماننا ومكاننا، ولايعلم بعدُ أنّ أيّاً من الماليات كانت في زمن الصدور لها كلّاً، بل لعلّه ليس شيء من ماليّتها الفعلية بموجود في الزمان السابق وفي زمان الصدور ومكانه، ولمّا ثبت أنّ مالياتها كانت متساوية، فلابدّ في زماننا من الأخذ بالأقلّ قيمة منها؛ قضاءً للبراءة عن الزائد.
ثمّ لايخفى عدم دخالة الضرب في قيمة الدرهم ولا الدينار، وذلك مضافاً إلى عدم الدخالة في زمان الصدور، بل كان الضرب علامة لعدم القلب في فضّة الدرهم وذهب الدينار، وهذا بخلاف الضرب في زماننا وماشابهه، فإنّه إنّما يكون لاعتبار الضرب ومالية المضروب، بل كلّ المالية المضروبة في النقود الرائجة يكون للضرب، وليس لنفس المضروب تلك المالية، يدلّ عليه ما في موثّق أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام- في حديث- قال:« دية المسلم عشرة آلاف من الفضّة أو ألف مثقال من الذهب أو ألف من الشاة على أسنانها ...».( الكافي ٧: ٢٨١/ ٢) وقد ظهر وتلخّص ممّا ذكرناه أنّ على الجاني قيمة الدراهم أو الدنانير من حيث المثقال من الفضّة والذهب بالنقد الرائج، لاعينهما ولا عين غيرهما، ولا قيمة المسكوك منهما، وليس على وليّ الدم إلّاقبول القيمة أيضاً، فإنّ المتعارف في جبران الخسارة النقد الرائج، فلاخيار للجاني في الستّة، وعلى وليّ الدم قبول مختار الجاني من القيمة على النحو الذي مرّ بيانه من كفاية الأقلّ قيمة، كما أنّ على وليّ الدم قبوله أيضاً. وبذلك يظهر حقّ ما في المسائل، وما هو المطابق للقواعد فيها، فتدبّر جيّداً