التعليقة على تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٠٤ - كتاب القضاء
كتاب القضاء
وهو الحكم بين الناس لرفع التنازع بينهم بالشرائط الآتية. ومنصب القضاء من المناصب الجليلة[١]، الثابتة من قبل اللَّه تعالى للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، ومن قبله للأئمّة المعصومين عليهم السلام، ومن قبلهم للفقيه[٢] الجامع للشرائط الآتية. ولايخفى أنّ خطره عظيم،
[١]- على ما في المتن، وإلّا فلي فيه تأمّل وإشكال، وبما أنّ البحث فيه خارج عن طريق التعليقة فموكولٌ إلى محلّه.
[٢]- بل للعالم بأحكام القضاء، فقيهاً كان أو مقلِّداً؛ لأنّ المستفاد من الأخبار أنّ المناط فيها العلم بالأحكام الشامل للمقلِّد أيضاً، فإنّه عالم بها بالتقليد، كما أنّ الفقيه عالم بالاجتهاد. ففي خبر أبي خديجة:« إيّاكم أنْ يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم، يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه».( وسائل الشيعة ٢٧: ١٣/ ٥)
والإذن منهم عليهم السلام يكون على ذلك المناط بالظهور في جلّ الأخبار، وبإلغاء الخصوصية العرفية في المقبولة( وسائل الشيعة ٢٧: ١٣/ ٤) على تسليم دلالتها على اعتبار الاجتهاد؛ لعدم الخصوصية عرفاً للاجتهاد والاستنباط في القضاء أصلًا، وإنّما الخصوصية والمناط عند العرف العلم بأحكام القضاء وقوانينه مطلقاً ولو كان عن تقليد.
هذا مضافاً إلى أنّ الظاهر منها عرفاً كون القيد على الدلالة وارداً مورد الغالب، فلاتكون المقبولة حجّة على التقييد؛ حيث إنّ العالمين بالأحكام، لاسيّما أحكام القضاء في مثل زمان صدورها، كانوا غالباً هم المجتهدون الراوون لأحاديثهم والعارفون بأحكامهم والناظرون فيها إن لمنقل بكونه كذلك دائماً، فإنّ الغالب كون العلم بأحكامهم، لاسيّما القضائي منها منحصراً طريقه بالاجتهاد، وأنّهم كانوا يفتون بمتون الروايات والأحاديث، والعلم بها عن تقليد إن لمنقل بكونه مستحيلًا عادة في مثل تلك الأزمنة ممّا لميكن التواصل وتحصيل العلوم ونشر المسائل كاليوم وأشباهه، فلا أقلّ من ندرته، كما لايخفى على المتدبِّر في تأثير الزمان والمكان في فهم الأحاديث والأدلّة.
ومضافاً إلى ما في« الجواهر» من تأييد ذلك بقوله:« اللهمّ إلّاأن يقال بأنّ النصوص دالّة على الإذن منهم عليهم السلام لشيعتهم المتمسّكين بحبلهم الحافظين لأحكامهم في الحكم بين الناس بأحكامهم الواصلة إليهم بقطع أو اجتهاد صحيح أو تقليد كذلك، فإنّهم العلماء وشيعتهم المتعلّمون وباقي الناس غثاء. وفي خبر عبداللّه بن طلحة( وسائل الشيعة ٢٩: ٦٢/ ٢) الوارد في اللصّ الداخل على المرأة وقتل ولدها وأخذ ثيابها عن الصادق عليه السلام أمر السائل بالقضاء بينهم بما ذكره الإمام، ولعلّ غيره أيضاً كذلك. وإنّما شدّة الإنكار في النصوص على المعرضين عنهم المستغنين عنهم بآرائهم وقياسهم واستحسانهم ونحو ذلك من الباطل الذي لفّقوه. قال الحلبي: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء، فيتراضيان برجل منّا، فقال:« ليس هو ذاك، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط».( وسائل الشيعة ٢٧: ١٥/ ٨)
ولو سلِّم عدم ما يدلُّ على الإذن فليس في شيء من النصوص ما يدلُّ على عدم جواز الإذن لهم في ذلك، بل عموم ولايتهم تقتضي ذلك. بل قد يدّعى أنّ الموجودين في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ممّن امر بالترافع إليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد وإنّما يقضون بين الناس بما سمعوه من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم. فدعوى قصور من علم جملةً من الأحكام مشافهةً أو بتقليدٍ لمجتهد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل، بل ظاهر الأدلّة خلافها، بل يمكن دعوى القطع بخلافها، ونصب خصوص المجتهد في زمان الغيبة بناءً على ظهور النصوص فيه لايقتضي عدم جواز نصب الغير»( جواهر الكلام ٤٠: ١٧) ولقد أجاد فيما أفاد