تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٧٩ - بين بين
و أَكْثَرُ القرَّاءِ قَرأُوا وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ اَلْمُجْرِمِينَ ، و الاسْتِبانَةُ حينَئِذٍ غَيْر واقِعٍ.
و التِّبْيانُ ، بالكسْرِ و يُفْتَحُ مَصْدَرُ [١] بَيَّنتْ الشَّيءَ تَبْيِيناً و تِبْياناً و هو شاذٌّ. و عِبارَةُ الجوْهرِيِّ، رحِمَه اللَّهُ تعالى، أوْفى بالمُرادِ مِن عِبارَتِه فإنَّه قالَ: و التِّبْيانُ مَصْدَرٌ و هو شادٌّ، لأنَّ المَصادِرَ إنَّما تَجِيءُ على التَّفْعال بفتْحِ التاءِ نَحْو التَّذْكار و التَّكْرار و التَّوْكاف، و لم يَجِيءْ بالكسْرِ إلاَّ حَرْفان و هُما التِّبْيان و التِّلْقاء، ا هـ.
و أَيْضاً حِكَايَةُ الفتْحِ غَيْرُ مَعْروفَةٍ إلاّ على رأْي مَنْ يُجِيزُ القِياسَ مع السماع و هو رأْيٌ مَرْجوحٌ.
قالَ شيْخُنا، رحِمَه اللَّهُ تعالى: و ما ذَكَرَه من انْحِصار تِفْعال في هذَين اللَّفْظَيْن به جَزَمَ الجَماهِير مِن الأَئِمَّة، و زَعَمَ بعضُهم أنَّه سَمِعَ التِّمْثال مَصْدَر مَثلْتُ الشيءَ تَمْثِيلاً و تِمْثالاً.
و زادَ الحَرِيري في الدرَّةِ على الأَوَّلَيْن تِنْضالاً مَصْدَر الناضلة.
و زادَ الشّهابُ في شرْحِ الدرَّة: شَربَ الخَمْر تِشْراباً، و زَعَمَ أَنَّه سَمِعَ فيه الفَتْحَ على القِياسِ، و الكَسْرَ على غيرِ القِياسِ، و أَنْكَر بعضُهم مَجِيءَ تِفْعال، بالكسْرِ، مَصْدراً بالكُلِيَّة؛ و قالَ: إنَّ كلَّ ما نَقَلوا من ذلكَ على صحَّتِه إنَّما هو مِن اسْتِعمالِ الاسمِ مَوْضِعَ المَصْدرِ كما وَقَعَ الطَّعامُ، و هو المَأْكُولُ، مَوْقِعَ المَصْدَرِ و هو الإطْعامُ كما في التَّهْذِيبِ.
و قوْلُه تعالى: وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [٢] ، أَي بُيِّنَ لكَ فيه كلُّ ما تَحْتاجُ إليه أَنْتَ و أُمَّتُك مِن أَمْرِ الدِّيْن، و هذا مِن اللَّفْظِ العامِّ الذي أُرِيد به الخاصُّ، و العَرَبُ تقولُ: بَيَّنْتُ الشيءَ تَبْيِيناً و تِبْياناً ، بكسْرِ التاءِ، و تِفْعالٌ، بالكسْرِ يكونُ اسْماً، فأَمَّا المَصْدَرُ فإنَّه يَجِيءُ على تَفْعالٍ بالفتْحِ، مثْلُ التّكْذاب و التَّصْداقو ما أَشْبَهه، و في المَصادِرِ حَرْفان نادِرَان. و هُما تِلْقاء الشيء و التِّبْيان ، و لا يقاسُ عليهما.
و قالَ سِيْبَوَيْه في قوْلِه تعالَى: وَ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ * ، قالَ: هو التِّبْيانُ ، و ليسَ على الفِعْل إنَّما هو بناءٌ على حِدةٍ، و لو كانَ مَصْدَراً لفُتِحتْ كالتَّقْتال، فإنَّما هو من بَيَّنْتُ كالغارَةِ من أَغَرْتُ.
و قالَ كراعٌ: التِّبْيانُ مَصْدرٌ و لا نَظِيرَ له إلاَّ التِّلْقاء.
و ضَرَبَهُ فأَبانَ رأْسَه مِن جَسَدِه و فَصَلَه فهو مُبِينٌ .
و قوْلُه: مُبْيِنٌ ، كمُحْسِنٍ، غَلَطٌ و إنَّما غَرَّهُ سِياقُ الجوْهرِيِّ و نَصّه فتقول: ضَرَبَه فأَبانَ رأْسَه مِن جَسَدِه فهو مُبِينٌ . و مُبْيِنٌ أَيْضاً: اسمُ ماءٍ، و لو تأَمَّل آخِرَ السِّياقِ لم يَقَعْ في هذا المَحْذورِ. و لم أَرَ أَحداً مِن الأَئِمةِ قالَ فيه مُبْيِنٌ كمُحْسِنٍ، و لو جازَ ذلكَ لوَجَبَ الإشارَة له في ذِكْرِ فِعْله كأنْ يقولَ: فأَبانَ رأْسَه و أَبْيَنَه ، فتأَمَّلْ.
و بايَنَه مُبايَنَةً : هاجَرَه و فارَقَه.
و تَبايَنا : تَهاجَرا، أَي بانَ كلُّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه، و كذلِكَ إذا انْفَصَلا في الشّركةِ.
و البائِنُ : مَنْ يأْتي الحَلوبَةَ مِن قِبَلِ شِمالِها، و المُعَلِّي الذي يأْتي مِن قِبَلِ يَمِينِها، كذا نَصّ الجوْهرِيّ، و المُسْتعْلي من يعلى العلبة في الضّرْعِ.
و الذي في التَّهْذِيبِ للأزْهرِيّ يُخالِفُ ما نَقَلَه الجوْهرِيُّ فإنَّه قالَ: البائِنُ الذي يقومُ على يَمينِ الناقَةِ إذا حَلَبَها و الجَمْعُ البُيَّنُ ، و قيلَ: البائِنُ و المُسْتَعْلي هُما الحالِبَانِ اللذانِ يَحْلُبان الناقَةَ أَحدُهما حالِبٌ، و الآخَرُ مُحْلِب، و المُعينُ هو المُحْلِبُ، و البائِنُ عن يَمينِ الناقَةِ يُمْسِكُ العُلْيةَ، و المُسْتَعْلي الذي عن شِمالِها، و هو الحالِبُ يَرْفعُ البائِنُ العُلْبةَ إليه؛ قالَ الكُمَيْت:
يُبَشِّرُ مُسْتَعْلِياً بائِنٌ # من الحالبَيْنِ بأن لا غِرارا [٣]
و البائِنُ : كلُّ قَوْسٍ بانَتْ عَن وَتَرِها كثيراً؛ عن ابنِ
[١] في القاموس بالتنوين، و تصرف الشارح بالعبارة فاقتضى تخفيفها.
[٢] النحل، الآية ٨٩.
[٣] اللسان و التهذيب و الأساس.