تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٨١ - بين بين
فبَيْنا نحن نَرْقُبُه أَتانا # مُعَلّقُ وَفْضةٍ و زِنادُ راعِي [١]
أَرادَ بَيْنَ نحنُ نَرْقُبُه أَتانا، فإن قِيلَ: لِمَ أَضافَ الظَّرْفَ الذي هو بَيْن ، و قد علِمْنا أنَّ هذا الظَّرْفَ لا يُضافُ مِنَ الأسْماءِ إلاَّ لمَا يدلُّ على أكْثَر مِنَ الواحِدِ أَو ما عُطِف عليه غيرُه بالواوِ دُونَ سائِرِ حُروف العَطْف، و قولُه نحنُ نَرْقُبُه جمْلَةٌ، و الجمْلَةُ لا يُذْهَب لها بَعْدَ هذا الظَّرْفِ؟ فالجَوابُ: أنَّ ههنا واسِطَةٌ مَحْذُوفةٌ و تقْديرُ الكَلامِ بَيْنَ أَوْقاتٍ نحنُ نَرْقُبُه أَتانا، أي أَتَانا بَيْنَ أَوقاتِ رَقْبَتِنا إيَّاه، و الجُمَلُ ممَّا يُضافُ إليها أَسْماءُ الزَّمانِ كقوْلِكَ: أَتَيْتك زَمَنَ الحجاجُ أَميرٌ، و أَوانَ الخَلِيفةُ عبدُ الملِكِ، ثم إنَّه حذف المضافُ الذي هو أَوْقاتٌ و وَليَ اللَّفْظ [٢] الذي كانَ مُضافاً إلى المَحْذوفِ الجُمْلة التي أُقِيمت مُقامَ المُضاف إليها كقوْلِه تعالَى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [٣] ؛ أي أَهْلَ القَرْيةِ، و بَينا و بَيْنما من حُروفِ الابْتِداءِ و ليْسَتِ الألفُ بصلةٍ، و بَيْنما أَصْله بَيْنَ زِيْدَتْ عليه ما و المَعْنى واحِدٌ.
قالَ شيْخُنا، رحِمَه اللَّهُ تعالى: و قوْلُه: مِن حُروفِ الابْتِداءِ، إن أَرادَ بالحُروفِ الكَلِماتَ كما هو مِن إطْلاقات الحُرُوف، فظاهِرٌ، و أَمَّا إن أرادَ أَنَّهما صارا حَرْفَيْن في مُقابلةِ الاسْم و الفِعْلِ فلا قائِل به، بل هما باقِيانِ على ظَرْفِيَّتِهما و الإشْباعِ و هما لا يُخْرِجانِ بَيْنَ عن الاسْميَّةِ، و إنَّما يقْطَعانه عن الإضافَةِ كما عُرِف في العربيَّة؛ ا ه.
و قالَ غيرُهُ: هما ظَرْفا زَمانٍ بمعْنَى المُفاجَأة، و يُضافَان إلى جُمْلةٍ مِن فِعْل و فاعِلٍ و مُبْتدأ و خَبَر فيَحْتاجَانِ إلى جَوابٍ يتمُّ به المعْنَى.
قالَ الجوْهرِيُّ: و كانَ الأصْمَعيُّ يَخْفِضُ بعدَ بَيْنا إذا صَلُحَ في موْضِعِه [٤] بَيْنَ كقَوْلِه، أي أَبي ذُؤَيْب الهُذَليّ كان ينْشدُه هكذا بالكَسْر:
بَيْنا تَعَنَّفِه الكُماةَ و رَوْغِه # يوماً أُتِيحَ له جَرِيءٌ سَلْفَعُ [٥]
كذا في الصِّحاحِ تَعَنُّفه بالفاءِ [٦] ، و الذي في نسخِ الدِّيوان تَعَنُّقه بالقافِ؛ أرادَ بينَ تَعَنُّقه فزادَ الألِفَ إشْباعاً؛ نَقَلَه عبدُ القادِرِ البَغْدادِيُّ.
و قالَ السّكَّريُّ، رحِمَه اللَّهُ تعالى: كانَ الأصْمعيُّ يقولُ بَيْنا الألِف زائِدَة إنَّما أَرادَ بينَ تَعَنُّقه و بينَ رَوَغَانِه أي بَيْنا يقتلُ و يُراوغُ إذ يختل. و غيرُه يَرْفَعُ ما بَعْدَها على الابْتِداءِ و الخَبَرِ؛ نَقَلَه السُّكَّريُّ.
قالَ ابنُ بَرِّي: و مثْلُه في جوازِ الرَّفْع و الخفْضِ قوْلُ الرّاجزِ [٧] :
كُنْ كيفَ شِئْتَ فقَصْرُك الموتُ # لا مَزْحَلٌ عنه و لا فَوْتُ
بَيْنا غِنَى بيتٍ و بَهْجَتِه # زالَ الغِنَى و تَقَوَّضَ البيتُ [٨]
قالَ: و قد تأْتي إذْ في جوابِ بَيْنا ؛ قالَ حُمَيْد الأرْقط:
بَيْنا الفَتَى يَخْبِطُ في غَيْساتِه # إذِ انْتَمَى الدَّهْرُ إلى عِقْراتِه [٩]
قالَ: و هو دَليلٌ على فَسَادِ قوْلِ مَنْ قالَ إنَّ إذْ لا تكونُ إلاَّ في جوابِ بَيْنما بزِيادَةِ ما، و ممَّا يدلُّ على فَسادِ هذا القَوْل أَنَّه جاءَ بَيْنما و ليسَ في جوابِها إذ كقوْلِ ابنِ هَرْمة:
بَيْنما نحنُ بالبَلاكِثِ فالْقا # عِ سِراعاً و العِيسُ تَهْوي هُوِيَّا
[١] اللسان.
[٢] في اللسان: الظرف.
[٣] يوسف، الآية ٨٢.
[٤] في القاموس: صَلُح موضعُهُ.
[٥] من شواهد القاموس، و البيت في ديوان الهذليين في شعر أبي ذؤيب ١/١٨ برواية: بينا تعنقه، و اللسان و الصحاح.
[٦] الذي في الصحاح: «تعنقه» بالقاف كرواية الديوان.
[٧] في اللسان: قول الآخر.
[٨] البيتان في اللسان بدون نسبة، و الثاني في التهذيب و نسبه للخليل بن أحمد.
[٩] اللسان و فيه: «عفراته» .