تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٤٨ - ضمن ضمن
يَصِفُ ناقَةً حامِلاً:
أَوْكَتْ عليه مَضِيقاً من عَواهِنِها # كما تضَمَّنَ كَشْحُ الحُرَّةِ الحَبَلا [١]
عليه: أي على الجَنِينِ.
و كلُ ما جَعَلْتَهُ في وِعاءٍ فقد ضَمَّنْتَهُ إيَّاهُ. و في العَيْن: كلُّ شيءٍ أُحْرِزَ فيه شيء فقد ضُمِّنَه ؛ قالَ.
ليسَ لمن ضُمِّنَه تَرْبِيتُ [٢]
أي أُوْدِعَ فيه و أُحرِزَ يعْنِي القَبْر الذي دُفِنَتْ فيه المَوْؤُدَةُ.
و المُضَمَّنُ ، كمُعَظَّمِ، من الشِّعْرِ: ما ضَمَّنْتَهُ بَيْتاً، هذا مِن اصْطِلاحَاتِ أَهْلِ البَدِيعِ. و مِن البَيْتِ: ما لا يَتِمُّ مَعْناهُ إلاَّ بالذي يَلِيه، هذا من اصْطِلاحَاتِ أَهْلِ القَوافِي.
قالَ ابنُ سِيْدَه: و ليسَ ذلِكَ بعَيْبٍ عنْدَ الأَخْفَش.
و قالَ ابنُ جنيِّ: هذا الذي رَوَاه أَبو الحَسَنِ مِن أنَّ التَّضْمِينَ ليسَ بعَيْبٍ، مَذْهب تَراهُ العَرَبُ و تَسْتَجِيزُه، و لم يعب [٣] فيه مَذْهبَهم مِن وَجْهَيْن: أَحدُهما السّماعُ، و الآخَرُ: القِياسُ، أَمَّا السّماعُ فلكَثْرَةِ ما يردُ عنهم مِن التَّضْمِين ، و أَمَّا القِياسُ فلأنَّ العَرَبَ قد وَضَعَتِ الشِّعْرَ وَضْعاً دلَّتْ به على جَوازِ التَّضْمِين ، و ذلِكَ ما أَنْشَدَه أَبو زَيْدٍ و سِيْبَوَيْه و غيرُهما مِن قوْلِ الرَّبيعِ بنِ ضَبُعٍ الفَزَاريّ:
أَصْبَحْتُ لا أَحْمِلُ السلاحَ و لا # أَمْلك رَأسَ البَعيرِ إن نَفَرا
و الذِّئبَ أَخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ به
وَحْدِي و أَخْشَى الرياحَ و المَطَرا [٤]
فنَصْبُ العَرَب الذِّئْبَ هنا، و اخْتيارُ النَّحويين له مِن حيثُ كانتْ قَبْله جُمْلة مُرَكَّبة مِن فعْلٍ و فاعِلٍ، و هي قوْلُه لا أَمْلك، يدلُّكَ على جَرْيه عنْدَ العَرَبِ و النَّحويين جَمِيعاً مَجْرى قوْلِهم: ضَرَبْتُ زيْداً و عَمْراً لَقِيْته، فكأنَّه قالَ:
و لَقِيْتُ عَمْراً لتَجَانسِ الجُمْلَتَيْن في الترْكِيبِ، فلولا أنَّ البَيْتين جَمِيعاً عنْدَ العَرَب يَجْرِيان مَجْرى الجُمْلة الواحِدَةِ لمَا اخْتارَتِ العَرَبُ و النَّحويُّون جَمِيعاً نَصْب الذِّئْب، و لكن دلَّ على اتِّصالِ أحدِ البَيْتينِ بصاحِبِه و كَوْنهما معاً كالجُمْلةِ المَعْطوفِ بَعْضها على بعضٍ، و حُكْم المَعْطوف و المَعْطُوف عليه أن يَجْريا مَجْرى العقْدَةِ الواحِدَةِ، هذا حُكْم القِياسِ في حُسْن التَّضْمِين ، إلاَّ أن بإزائِه شيئاً آخَرَ يقبحُ التَّضْمِين لأَجْلِه، و هو أنَّ أَبا الحَسَنِ و غيرَهُ قد قالوا: إنَّ كلَّ بيتٍ مِنَ القَصِيدَةِ شِعْرٌ قائِمٌ بنفْسِه، فمن هنا قَبُحَ التَّضْمِين شيئاً، و مِن حيثُ ذكرنا مِن اخْتِيار النَّصْب في بيتِ الرَّبيع حَسُنَ، و إذا كانتِ الحالُ على هذا فكلَّما ازْدَادَت حاجَةُ البيتِ الأوَّلِ إلى الثاني و اتَّصل اتِّصالاً شَديداً كانَ أَقْبَح ممَّا لم يَحْتج الأوَّل فيه إلى الثاني هذه الحاجَة؛ قالَ: فمن أَشَدّ التَّضْمِين قَوْل الشاعِرِ رُوِي عن قُطْرُب و غيرِهِ:
و ليس المالُ فاعْلَمْهُ بمالٍ # من الأَقْوامِ إلاَّ للَّذِيِّ
يُرِيدُ به العَلاءَ و يَمْتَهِنْهُ # لأَقْرَبِ أَقْرَبِيه و للقَصِيِ [٥]
فَضَمَّنَ بالمَوْصولِ و الصِّلَة على شِدَّةِ اتِّصالِ كلّ واحِدٍ منهما بصاحِبِه؛ و قالَ النابِغَةُ:
و هم وَرَدُوا الجِفارَ على تمِيمٍ # و هم أَصحابُ يومِ عُكاظَ إنِّي
شَهِدْتُ لهم مَواطِنَ صادِقاتٍ
[١] اللسان.
[٢] اللسان و التهذيب بدون نسبة، قال في التهذيب بعده: أي لا يربيه القبر. و الرجز في اللسان «ربت» و قبله:
سميتها إذ ولدت تموت # و القبر صهر ضامن زميت.
[٣] في اللسان: لم يعدُ.
[٤] البيتان في اللسان.
[٥] اللسان.