التعليقة على تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٨٩ - القول في الصدقة
(مسألة ٣٣٢): يكره كراهة شديدة أن يتملّك من الفقير ما تصدّق به بشراء أو اتّهاب أو بسبب آخر، بل قيل بحرمته. نعم لابأس بأن يرجع إليه بالميراث.
(مسألة ٣٣٣): يكره ردّ السائل[١] ولو ظنّ غناه، بل يعطي ولو شيئاً يسيراً.
[١]- هذا هو حكم الردّ بما هو هو، وإلّا فيختلف حكمه بالعوارض والطوارئ، بل قد يصير الردّ واجباً، وإعطاء الصدقة حراماً، كما إذا كان في الإعطاء ضرر خاصّ على السائل، مثل ما إذا انجرّ إلى صيرورته كلّاً على الناس، وأخلّ بعرضه وشرفه، وإلى إيجابه كثرة السائلين رغم قدرتهم البدنية، وقدرتهم على العمل والاكتساب، وصيرورتهم كلّاً على الناس.
ثمّ لايخفى أنّ من أفضل الصدقات ما أوجب الكفاءة الذاتية للسائل وأغناه عن السؤال بالكفّ، وجعله قائماً على رجليه في حياته وعيشه، وأوصله إلى حدّ يقدر على حرفة أو تجارة أو عمل يسع مؤونته ومؤونة أهله وعياله، فإنّه خير معروف في حقّه وأفضل عمل يغنيه ويحفظه عن انتهاك حرمته وزوال عزّه بذلّ السؤال، كما روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام باع حديقته التي غرسها له النبيّ صلى الله عليه و آله وسقاها هو بيده باثني عشر ألف درهم، وراح إلى عياله وقد تصدّق بأجمعها، فقالت له فاطمة عليها السلام:« تعلم أنّ لنا أيّاماً لمنذق فيها طعاماً وقد بلغ بنا الجوع! وما أظنّك إلّاكأحدنا فهلّا تركت لنا من ذلك قوتاً؟ فقال عليه السلام: منعني من ذلك وجوه أشفقت أن أرى عليها ذلّ السؤال».( بحار الأنوار ٩٣: ١٣٦)
وقد ورد في روايات كثيرة ذمّ السؤال بالكفّ، وأنّه ليس من خصال الشيعة، وعن النبيّ صلى الله عليه و آله:« لو أنّ أحدكم يأخذ حبلًا فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل».( بحار الأنوار ٩٣: ١٥٨)
فكلّ عمل أو صدقة يغني الفقير عن السؤال هو من أفضل الصدقات و« كلّ معروف صدقة»( وسائل الشيعة ٩: ٤٥٩/ ١) وخيره ما يحفظ حرمة الفقير وكرامته، فإنّ الإنسان له حقّ الحياة بعزّة واستقلال وشرف وكرامة، فخيره ما يجعل السائل غير محتاج إلى صدقة، وأفضل الصدقة صدقة تجرّ المنفعة إلى الأخ المسلم، كما في النبويّ الشريف في فضل صدقة اللسان،( بحار الأنوار ١٣: ٣٨٩) وأيّ منفعة أعظم للسائل والمحروم ممّا يورث الكفاءة الذاتية ويحفظ المرء عن ذلّ السؤال وهتك عرضه، ويخرجه من صنف الفقراء إلى جماعة الأغنياء بالفعل أو بالقوّة.
هذا كلّه مع تأييده بمانقله« الكافي» في كتاب الإيمان والكفر في باب القناعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:« اشتدّت حال رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله فقالت له امرأته: لو أتيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله فسألته، فجاء إلى النبيّ صلى الله عليه و آله فلمّا رآه النبيّ صلى الله عليه و آله قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه اللّه، فقال الرجل ما يعني غيري، فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله بشرٌ فأعلِمه، فأتاه فلّما رآه رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه اللّه، حتّى فعل الرجل ذلك ثلاثاً، ثمّ ذهب الرجل فاستعار معولًا، ثمّ أتى الجبل فصعده فقطع حطباً، ثمّ جاء به فباعه بنصف مُدّ من دقيق، فرجع به فأكله، ثمّ ذهب من الغد فجاء بأكثر من ذلك فباعه، فلم يزل يعمل ويجمع حتّى اشترى معولًا، ثمّ جمع حتّى اشترى بكرين وغلاماً، ثمّ أثرى حتّى أيسر، فجاء إلى النبيّ صلى الله عليه و آله فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبيّ صلى الله عليه و آله، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: قلت لك: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه اللّه».( الكافي ٢: ١٣٩)
فانظر إلى عمله صلى الله عليه و آله من إرشاد السائل إلى الاستغناء والكفاءة الذاتية، بل ومن تكرار قوله صلى الله عليه و آله:« من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه اللّه» يعلم أنّ هذهِ سيرته وسنّته، فعلينا متابعته وقد جعله اللّه تعالى اسوة للناس، فقال:« لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه اسْوةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً».( الأحزاب( ٣٣): ٢١)