التعليقة على تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٥٦٤ - القسم الثاني في قصاص ما دون النفس
هو بعد ردّ دية اليد أم يقتصّ بلا ردّ؟ الأشبه الثاني. وكذا لو قتل رجل صحيح رجلًا مقطوع اليد قتل به. وفي رواية: إن قطعت في جناية جناها أو قطع يده وأخذ ديتها، يردّ عليه دية يده ويقتلوه، ولو قطعت من غير جناية ولا أخذ لها دية قتلوه بلا غرم. والمسألة مورد إشكال وتردّد، والأحوط[١] العمل بها، وكذا الحال في مسألة اخرى بها رواية، وهي لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع، فإنّها مشكلة أيضاً[٢].
القسم الثاني: في قصاص ما دون النفس
(مسألة ١٩٢٨): الموجب له هاهنا كالموجب في قتل النفس. وهو الجناية العمديّة مباشرة أو تسبيباً حسب ما عرفت. فلو جنى بما يتلف العضو غالباً فهو عمد؛ قصد الإتلاف به أو لا، ولو جنى بما لايتلف به غالباً، فهو عمد مع قصد الإتلاف ولو رجاءً.
(مسألة ١٩٢٩): يشترط[٣] في جواز الاقتصاص فيه ما يشترط في الاقتصاص في النفس؛ من التساوي في الإسلام والحرّيّة وانتفاء الابوّة وكون الجاني عاقلًا بالغاً، فلايقتصّ في الطرف لمن لايقتصّ له في النفس.
(مسألة ١٩٣٠): لايشترط التساوي في الذكورة والانوثة، فيقتصّ فيه للرجل من الرجل ومن المرأة من غير أخذ الفضل. ويقتصّ للمرأة من المرأة ومن الرجل، لكن بعد ردّ التفاوت[٤]
[١]- وإن كان الأشبه عدم الردّ مطلقاً
[٢]- لكنّ الإشكال قابلٌ للذبّ على ما حقّقه صاحب الجواهر في« الجواهر» ونقلناه في كتاب القصاص من« فقه الثقلين»،( فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة، كتاب القصاص: ٥٧٧) والعمل بالرواية المعتضدة بالموافقة مع القواعد هو المتعيّن
[٣]- على ما مرّ منّا من الشرائط. وبذلك تظهر المناقشة في شرطية التساوي في الإسلام
[٤]- على المعروف بين الأصحاب، بل كأنّه لا خلاف فيه، إلّاأنّ عدم لزوم الردّ؛ قضاءً لإطلاق أدلّة قصاصه وتعارض أخبار المسألة وتساقطها وكونها مخالفة لآيات العدل وعدم الظلم وغيرها- على ما مرّ تفصيله في التعليقة على المسألة الثانية في الشرط الأوّل من الشرائط المعتبرة في القصاص- لايخلو من وجه، بل من قوّة.
هذا كلّه مع ما في تلك الأخبار من المخالفة للقواعد العقلية والنقلية في الضمان والديات، والمناقشة في السند، كما بيّنه المحقّق المدقّق المتتبّع المقدّس الأردبيلي قدس سره في آخر الديات من شرحه« الإرشاد» المسمّى من غيره باسم مطابق للمسمّى« مجمع الفائدة والبرهان»، وينبغي المراجعة إليه لمن يرى التفاوت والردّ في الزائد عن الثلث في المسألة من الأحكام المسلّمة التي لاتقبل الخدشة ولا الفتوى على خلافها، حتّى لعلّه يتغيّر رأيه ويتبدّل نظره، ولا أقلّ من أن يمنع نفسه من انسداد باب الاجتهاد ولو بأن يعتقد أنّ مسألة التفاوت كبقية المسائل، باب الاجتهاد فيها مفتوح وغير منسد، وكيف لايتغيّر رأيه مع مايرى من أنّه قدس سره قد بحث في المسألة بالدقّة والتتبّع والتحقيق، ولعلّه منفرد بها كمّاً وكيفاً من زمانه إلى زماننا هذا في جملة الفقه إن لميكن في كلّه، قال ما هذا لفظه:« وبالجملة، الحكم مخالف للقواعد كما عرفته، وفي دليله أيضاً بعض المناقشات مع المخالفة في الجملة وهو مشكل، وكأنّ الحكم فيما إذا كان الجاني رجلًا، لا خلاف فيه».( مجمع الفائدة والبرهان ١٤: ٤٧١)
ومع ما يرى أيضاً من ازدياد قوّة في تحقيقه قدس سره في المسألة على بقيّة تحقيقاته في الفقه، وأنّ تحقيقه هذا واقع في آخر ما أورده في الفقه ممّا لميكتب بعده بأزيد من نحو عشرة أسطر، ومن الطبيعي أنّ مقتضى ازدياد القوّة في التحقيق والتزايد في العلم هو أجودية المتأخّر من المتقدّم، فكيف بالمتأخّر عن الجميع.
ثمّ إنّ ما ذكرناه في حقّ المقدّس الأردبيلي من كونه منفرداً في الدقّة والتتبّع والتحقيق في جملة الفقه إن لميكن كلّه وإن كان واقعاً في محلّه، لكنّه لايخفى عليك وعلينا أنّ الماتن سيّدنا الاستاذ الإمام الخميني قدس سره إن لمنقل بكونه أدقّ وأقوى منه، فلا أقلّ من كونه مساوياً له فيما وفّقه اللّه تعالى من البحث والتحقيق في المسائل الفقهية والاصولية وغيرهما من علوم الدين، عقليها ونقليها، كيف وهو في أعلى مراتب التحقيق والتدقيق، وفي أوسع مجال التتبّع والتفحّص، ويكفيك شاهداً على هذا الأمر ملاحظة مثل البحث في نجاسة الخمر وطهارته( كتاب الطهارة، الإمام الخميني ٣: ١٧٢- ١٩٦) المورد للاختلاف بينه وبين المقدّس الأردبيلي ٠ وملاحظة بحثه في الغناء والغيبة( المكاسب المحرّمة، الإمام الخميني ١: ١٩٨ و ٢٤٥) والعصير العنبي،( كتاب الطهارة، الإمام الخميني ٣: ٩٣) لاسيّما بحثه في الأخير عن مسألة أصحاب الإجماع، وبحثه الرجالي التتبّعي، وإلى بحثه الاصولي في الفرق بين التكاليف القانونية والشخصية، والفرق بين العامّ والمطلق، وفي تعلّق الأحكام بالطبائع من حيث هي لا بالأفراد ولا بالطبيعة الملحوظة معها الامور المقارنة لها، من دون التقييد لا بوجودها ولا بعدمها، وعدم التحريف في الكتاب، وغيرها ممّا يكون موجوداً في تأليفاته وتقريراته على الكثرة، وليس هذا لهما ٠ إلّامن فضل ربّهما، ومن بركات المجاورة بقبر باب العلم والحكمة، وأزهد الزاهدين، وأشكر الشاكرين أميرالمؤمنين عليه سلام اللّه وسلام ملائكته وأنبيائه ورسله أجمعين، ومن يريد مدينة العلم فليأتها من بابها، وهما كذلك، وإن كانا متفاوتين في مدّة المجاورة والسكونة في النجف الأشرف المشرّف