تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩٠ - كون كون
و وُقُوعِه اسْتَغْنَى عن الخبَرِ لأنَّه دَلَّ على معْنًى و زَمانٍ، تقولُ: كانَ الأَمْرُ و أَنا أَعْرِفُه مُذْ كانَ أَي مُذْ خُلِقَ، قالَ مُقَّاسٌ العائِذِيُّ:
فِدًى لبَني ذُهْلِ بنِ شَيْبانَ ناقَتِي # إذا كانَ يومٌ ذو كواكبَ شَهْبُ [١]
و بمَعْنَى أَقامَ: كقَوْلِ عبدِ اللّهِ بنِ عبْدِ الأَعْلَى:
كُنّا و كانُوا فما نَدرِي على وَهَمٍ # أَ نَحْنُ فيما لَبِثْنا أَمْ هُمُ عَجِلُوا؟ [٢]
و كانَ يَقْتَضِي التّكْرَار، و الصَّحيحُ عنْدَ الأُصُولِيِّين أَنَّ لَفْظَه لا يَقْتَضِي تِكْراراً لا لُغَةً و لا عُرْفاً و إنْ صَحَّحَ ابنُ الحاجِبِ خِلافَه، و ابنُ دَقيقِ العيدِ اقْتِضاءَها عُرْفاً كما في شرْحِ الدَّلائِل للفاسِي، رحِمَه اللّهُ تعالى عنْدَ قوْلِه: كانَ إذا مَشَى تَعَلَّقَتِ الوُحوشُ بأَذْيالِهِ.
و مِن أَقْسامِ كانَ الناقِصَة أَنْ تأْتي بمَعْنَى صارَ: كقَوْلِه تعالَى: وَ كََانَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ * [٣] .
قالَ ابنُ بَرِّي: و منه قَوْلُه تعالى أَيْضاً: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [٤] و منه قَوْلُه تعالى: فَإِذَا اِنْشَقَّتِ اَلسَّمََاءُ فَكََانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهََانِ [٥] ؛ و قَوْلُه تعالى: وَ كََانَتِ اَلْجِبََالُ كَثِيباً مَهِيلاً [٦] ؛ و قَوْلُه تعالى: وَ مََا جَعَلْنَا اَلْقِبْلَةَ اَلَّتِي كُنْتَ عَلَيْهََا [٧] ، أَي صِرْتَ إليها: و قَوْلُه تعالى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا [٨] ؛ و قالَ شَمْعَلَةُ بنُ الأَخْضَر:
فَخَرَّ على الأَلأَةِ لم يُوَسَّدْ # و قد كانَ الدِّماءُ له خِمارَا [٩]
*قلْتُ: و منه أَيْضاً ١٦- في حدِيثِ كَعْبٍ، رضِيَ اللّهُ تعالى عنه : « كُنْ أَبا خَيْثَمَة» . أي صِرْهُ؛ يقالُ للرَّجُلِ يُرَىمِن بُعْد: كُنْ فُلاناً، أَي أَنْتَ فلانٌ، أَو هو فُلانٌ.
و قالَ أَبو العبَّاسِ: اخْتَلَفَ الناسُ في قوْلِهِ تعالىَ:
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ، فقالَ بعضُهم:
كََانَ هنا صِلَة، و مَعْناه كيفَ نُكَلِّمُ مَنْ هو في المَهْدِ صَبِيّاً؛ و قالَ الفرَّاءُ: كََانَ هنا شَرْطٌ و في الكَلامِ تَعجُّبٌ، و مَعْناه: مَنْ يَكُنْ في المَهْدِ صَبِيّاً فكيفَ يُكَلَّمُ؟.
و بمَعْنَى الاسْتِقْبالِ: كقَوْلِه تعالَى: يَخََافُونَ يَوْماً كََانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً [١٠] ، و منه قَوْلُ الطرمَّاحِ:
و إنّي لآتِيكُم تَشَكُّرَ ما مَضَى # من الأَمْرِ و اسْتِنْجاز ما كانَ في غَدِ [١١]
و قَوْلُ سَلَمَة الجُعْفِيّ:
و كُنْتُ أَرَى كالمَوْتِ من بَيْنِ سَاعَةٍ # فكيفَ بِبَيْنٍ كانَ مِيعادُه الحَشْرَا؟ [١٢]
و بمَعْنَى المُضِيِّ المُنْقَطِعِ و هي التَّامَّةُ كقَوْلِه تعالَى:
وَ كََانَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ [١٣] ، و منه قَوْلُ أَبي الغول:
عَسَى الأَيامُ أَن يَرْجِعْ # نَ قَوماً كالذي كانوا [١٤]
أَي مَضَوْا و انْقَضَوا: و قَوْلُ أَبي زُبَيْدٍ:
ثم أَضْحَوْا كأَنَّهُم لم يَكُونوا # و مُلُوكاً كانوا و أَهْلَ عَلاءِ [١٥]
و بمَعْنَى الحالِ: كقَوْلِهِ تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ [١٦] ؛ و رُوِي عن ابنِ الأَعْرابيِّ في تَفْسيرِ
[١] اللسان و الصحاح.
[٢] اللسان.
[٣] البقرة، الآية ٣٤.
[٤] آل عمران، الآية ١١٠.
[٥] الرحمن، الآية ٣٧.
[٦] المزمل، الآية ١٤.
[٧] البقرة، الآية ١٤٣.
[٨] مريم، الآية ٢٩.
[٩] اللسان.
[١٠] الإِنسان، الآية ٧.
[١١] اللسان.
[١٢] اللسان.
[١٣] النمل، الآية ٤٨.
[١٤] اللسان.
[١٥] شعراء إسلاميون، شعر أبي زبيد ص ٥٨٤ برواية:
فأصدقوني أسوقة أم ملوك # أنتم و الملوك أهل علاء
و انظر تخريجه فيه، و المثبت كرواية اللسان.
[١٦] آل عمران، الآية ١١٠.