تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣١ - أنن أنن
و أَنْشَدَ القَوْل الآخر:
لقد عَلِمَ الضَّيْفُ و المُرْمِلون # إذا اغْبَرَّ أُفْقٌ و هَبَّتْ شَمالا
بأَنْكَ رَبيعٌ و غَيْثٌ مَريع # و قِدْماً هناكَ تكونُ الثِّمالا [١]
و قالَ أَبو طالِبٍ النّحويُّ فيمَا رَوَى عنه المُنْذريّ: أَهْل البَصْرة غَيْر سِيْبَوَيه و ذَوِيه يقُولُونَ العَرَبُ تُخَفِّف أَنَّ الشَّديدةَ و تُعْمِلُها؛ و أَنْشَدُوا:
و صَدْرٍ حسن النَّحْر # أنن كأَنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ [٢]
أَرادَ أنن كأَنَّ فخفَّف و أَعْمَل. و عن الكوفيينَ: لا تُخَفَّفُ. قالَ الفَرَّاءُ: لم يُسْمَع أَنَّ العَرَبَ تخفِّف أَنَّ و تُعْمِلها إلاَّ مع المَكْنيّ لأنَّه لا يتبيّن فيه إعْراب، فأَمَّا في الظاهِرِ فلا، و لكن إذا خَفَّفوها رَفَعُوا، و أمّا مَنْ خَفَّف و إِنْ كُلاّ لَما ليُوَفِّيَنَّهم ، فإنَّهم نصَبُوا كُلاًّ بِلَنُوَفِّيَنَّهم [٣] كأَنَّه قالَ:
و إِن لَنُوَفِّيَنَّهم [٣] كُلاًّ، قالَ: و لو رُفِعَت كُلاّ لصلَح ذلكَ، تقولُ: إنْ زيدٌ لقائمٌ.
و تكونُ إنَ حَرْفَ جَوابٍ بمعْنَى نَعَمْ كَقَوْله، هو عبيدُ اللَّهِ بنُ قَيْس الرُّقَيّات:
بَكَرَتْ عليَّ عَواذِلي # يَلْحَيْنَنِي و أَلُومُهُنَّهْ
و يَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا # كَ و قد كَبِرْتَ فقُلْتُ إِنَّهْ [٤]
أي: إنه كان كما يَقُلْن.
قالَ أَبو عبيدٍ: و هذا اخْتِصارٌ مِن كَلامِ العَرَبِ يُكْتَفىمنه بالضَّميرِ لأَنَّه قد عُلِم معْناهُ.
و أَمَّا قَوْلُ الأَخْفش إنَّه بمعْنَى نَعَمْ فإنَّما يُريدُ تأْوِيلَه ليسَ أَنه موضُوعٌ في أَصْلِ اللّغَةِ كذلِكَ، قالَ: و هذه الهاء أُدْخِلتْ للسكوتِ؛ كذا في الصِّحاحِ.
*قلْتُ: و مِن ذلِكَ أَيْضاً قَوْله تعالَى: إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ ؛ أَخْبَرَ أَبو عليِّ أَنَّ أَبا إسْحاق ذَهَبَ فيه إلى أَن إنَّ هنا بمعْنَى نَعَمْ، و هذانِ مَرْفُوعٌ بالابْتِداءِ، و أنَّ اللامَ في لَسََاحِرََانِ داخِلَةٌ على غيرِ ضَرُورَةٍ، و أن تَقْديرَه نَعَمْ هذانِ هُما ساحِرانِ؛ و قد رَدّه أَبو عليِّ، رحِمَه اللَّهُ تعالَى، و بَيَّنَ فَسادَهُ.
و في التَّهْذِيبِ: قالَ أَبو إسْحاق النّحويُّ: قَرَأَ المدنيُّونَ و الكُوفيُّون إلاَّ عاصماً: إنَّ هذانِ لَساحِران ، و رُوِي عن عاصِمٍ أَنَّه قَرَأَ: إِنْ هََذََانِ ، بتخْفِيفِ إنْ؛ و قَرَأَ أَبو عَمْرٍو:
إِنَّ هذينِ لَساحِران ، بتَشْدِيدِ إنَّ و نَصْبِ هذينِ؛ قالَ:
و الحجَّةُ في إنَّ هذانِ لَساحِرانِ ، بالتَّشْديدِ و الرَّفْع، أنَّ أَبا عُبَيْدَةَ رَوَى عن أَبي الخطَّاب أنّها لغةٌ لكنانَةَ، يَجْعلونَ أَلفَ الاثْنَيْن في الرَّفْعِ و النَّصْبِ و الخَفْضِ على لفظٍ واحِدٍ. و رَوَى أَهْلُ الكُوفَة و الكِسائِي و الفرَّاءُ: أنَّها لُغَةٌ لبَني الحرِثِ بنِ كَعْبٍ، قالَ: و قالَ النَّحويُّون القُدَماء:
ههنا هاءٌ مُضْمرَةٌ، المعْنَى: إنَّه هذانِ لَساحِرانِ.
قالَ أَبو إسْحاق: و أَجودُ الأَوْجه عنْدِي أَن إنَّ وَقَعَتْ مَوْقعَ نَعَمْ، و أَنَّ اللاَمَ وَقَعَتْ مَوْقِعَها، و أَنَّ المعْنَى نَعَمْ هذانِ لهما ساحِرانِ، قالَ: و الذي يَلِي هذا في الجَوْدةِ مَذْهبُ بني كِنانَةَ و بَلْحَرِثِ بنِ كَعْبٍ، فأَمَّا قراءَةُ أَبي عَمْرٍو فلا أُجيزُها لأَنَّها خِلافُ المصْحَف؛ قالَ:
و أَسْتحْسن قِراءَةَ عاصِمٍ، ا هـ.
و تُكْسَرُ إنَ في تسْعَةِ مَواضِع.
الأَوَّل: إذا كانَ مَبْدُؤاً بها لَفْظاً أَو مَعْنًى ليسَ قَبْلها شيءٌ يُعْتَمدُ عليه، نحْو: إِنَّ زَيْداً قائِمٌ.
و الثَّاني: بَعْدَ أَلاَ التَّنْبِيهِيَّةِ نَحْو: أَلاَ إِنَّ زَيْداً قائمٌ؛ و قوْلُه تعالَى: أَلاََ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ [٥] .
[١] اللسان بدون نسبة، و الثاني في مغني اللبيب ص ٤٧ برواية: «و أنك هناك» و انظر تخريجه فيه. و البيتان في التهذيب.
[٢] اللسان و التهذيب برواية:
و وجه مشرق النحر.
[٣] في اللسان و التهذيب: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ .
[٤] ديوانه ص ٦٦ و اللسان و الصحاح و البيت الثاني من شواهد القاموس، و التهذيب و مغني اللبيب ص ٥٧.
[٥] هود، الآية ٥.