بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٤٧ - هل يختص الحكم بعدم جواز الإتيان بعمرتين في شهر واحد بالعمرة المفردة أو يعم عمرة التمتع أيضاً؟
((لكل شهر عمرة)) هو أنه لا تجوز عمرتان في شهر واحد سواء كانت الأولى متعة والثانية مفردة أو العكس أو كانتا مفردتين فالنسبة بين الخبرين عموم وخصوص من وجه حيث يتعارضان في من أتى بعمرة التمتع في أول ذي الحجة وأراد الإتيان بالمفردة بعد الحج فإن مقتضى إطلاق خبر أبي الجارود جوازه ومقتضى إطلاق قوله ٧ : ((لكل شهر عمرة)) عدم جوازه. وعندئذٍ فإما أن يقدم قوله ٧ : ((لكل شهر عمرة)) لأنه ناظر إلى أدلة تشريع العمرة والأمر بها فهو حاكم عليها ومن المقرّر في محله من علم الأصول أنه لا تلاحظ النسبة بين الدليل الحاكم والمحكوم، وإما أن يقال بتساقط الخبرين في مورد التعارض وحيث لم يتم ــ على المختار ــ إطلاق يقتضي مشروعية العمرة أزيد من مرة واحدة في الشهر ومقتضى الأصل عدم المشروعية، فلا محيص من البناء على عدم ثبوت استحباب العمرة المفردة في ذي الحجة بعد الحج لمن أتى بعمرة التمتع في الشهر نفسه.
هذا ثم إن خبر أبي الجارود المذكور غير معتبر سنداً على المختار فإنه لم تثبت وثاقة أبي الجارود زياد بن المنذر كما مرّ في بحث سابق [١] ، وكان الأولى أن يذكر بدله معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد الله [٢] قال: سألت أبا عبد الله ٧
[١] لاحظ ج:١ ص:٣٧.
[٢] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٤٣٨.
يمكن أن يناقش في اعتبار هذه الرواية من جهة أن الشيخ رواها عن موسى بن القاسم عن أبان ولكن الأول من الطبقة السابعة والثاني من الخامسة فتبعد روايته عنه مباشرة، وحيث إن الواسطة بينهما مجهولة ويمكن أن تكون من غير الموثقين فلا اعتبار بالسند المذكور.
ومثله ما ورد في بصائر الدرجات (ص:٢٠٣، ٤٤٣) وتهذيب الأحكام (ج:٥ ص:٥٧، ٨٦، ٢٤٣، ٣٣٥، ٤٢١).
ولكن أجاب المحقق الشيخ حسن في منتقى الجمان (ج:٣ ص:٤٣٧) عن هذه المناقشة بـ(أن الواسطة بينهما ــ أي بين موسى وأبان ــ عباس بن عامر، ويتفق سقوطها في بعض الطرق لنوع من التوهم، ومع المعرفة بها لا يضر سقوطها بحال السند).
أقول: حصر الواسطة بينهما في العباس بن عامر ليس وجيهاً فقد لوحظ توسط ابن أبي عمير بينهما في موضع من بصائر الدرجات (ص:٣٤٧) ومعاني الأخبار (ص:٢٩٩)، كما ورد في موضع من التهذيب (ج:٨ ص:٢١٢) رواية موسى بن القاسم وعلي بن الحكم عن أبان، والظاهر أن حرف العطف بين القاسم وعلي مصحف (عن) فإن موسى بن القاسم ممن يروي عن علي بن الحكم كما في التهذيب (ج:٨ ص:٢٤٦).
وبالجملة: الواسطة بين موسى وأبان قد تكون غير العباس بن عامر، فإن حصل الاطمئنان بأنها تنحصر في الثقة كالثلاثة المذكورين فهو وإلا يُشكل البناء على اعتبار الرواية.
هذا ولكن يمكن استحصال الاطمئنان بصحة نقلها عن أبان بالنظر إلى أنها رويت بلفظ مشابه في الكافي (ج:٤ ص:٥٣٦) بطريق آخر إليه، وهذا الطريق وإن كان لا يخلو من ضعف أيضاً لاشتماله على المعلى بن محمد إلا أن تعدد الطريق في مثله يوجب الوثوق بالنقل، فتدبر.