بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٠٠ - هل يتحدد استحباب العمرة المفردة بعدد معين؟
قرانها بطلت، ولهذا قالت: يا رسول الله يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع أنا بحجة، فأعمرها لذلك، ولو كان في هذا فضل لما اتفقوا على تركه).
وحكى الحطاب الرعيني [١] عن بعض فقهاء المالكية: (أن العمرة سنة مؤكدة مرة في العمر، وأما أكثر من مرة فينتفي عنها التأكيد وتبقى بعد ذلك مستحبة) ثم نقل عن بعضهم أنه: كره مالك وكثير من السلف تكررها في السنة الواحدة تأسياً بالنبي ٦ لأنه اعتمر في كل عام مرة.
ولكنه نقل عن عائشة: أنها اعتمرت في عام مرتين، وفعله ابن عمر وابن المنكدر. وكرهت عائشة عمرتين في شهر، وكرهه القاسم بن محمد. ثم حكى عن مالك في المدونة أنه قال: (والعمرة في السنة إنما هي مرة واحدة، ولو اعتمر بعدها لزمته).
وقال الشوكاني [٢] بعد نقل بعض الأحاديث: (في الحديث دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار خلافاً لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة كالمالكية، ولمن قال: يكره أكثر من مرة في الشهر من غيرهم).
فيظهر من هذه الكلمات وغيرها أن مشروعية العمرة من غير التحديد بعدد معين لم تكن مورد للخلاف بين القوم، وإنما كان الخلاف في ما يستحب من ذلك وما يُكره.
لا يخفى أن الكراهة وإن كانت تستعمل أحياناً في كلماتهم بمعنى عدم الجواز ــ تورعاً عن التعبير بالحرام ونحوه فيما لا نص عليه بذلك ــ إلا أن من الواضح أن المراد بها في المقام هو ما يعبّر عنه بالكراهة في باب العبادات التي تكون بمعنى قلة الثواب ونحوها ولا تنافي أصل الاستحباب، والشاهد على ذلك ما مرّ عن مالك ــ وهو أحد القائلين بالكراهة ــ من أنه إذا اعتمر في السنة أزيد من مرة واحدة لزمته، أي يلزمه إكمالها مما يعني أنها لا تقع باطلة بل تجب بالإحرام.
[١] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ج:٣ ص:٤١٥.
[٢] نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار ج:٥ ص:٧.