بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩٤ - هل تحسب المسافة التي يلحق سكنتها بأهل مكة من جدران المسجد الحرام أو من آخر المدينة المقدسة؟
وأربعين ميلاً إنما هو حدود مكة المكرمة لا المسجد الحرام، لأنها وإن وردت في تفسير (حاضري المسجد الحرام) الوارد في الآية المباركة إلا أن المنساق من قوله ٧ : ((كما يدور حول مكة)) أو قوله ٧ : ((من جميع نواحي مكة)) كون ابتداء المسافة من حدود مكة، وإلا لكان المناسب أن يقول ٧ : (كما يدور حول المسجد الحرام) أو (من جميع نواحي المسجد الحرام).
ونظير المقام ما إذا قيل: (من هم حاضرو المرقد العلوي المقدس؟) فأجيب: (هم أهل النجف إلى مسافة عشرين كيلو متراً من أطرافها، فإن المتفاهم العرفي من الجواب إرادة احتساب هذه المسافة من حدود المدينة المشرفة لا من حدود المرقد المقدس. وكأن المجيب أراد بيان أن أهل النجف ليس هم من يسكنون المدينة، بل ومن يسكن في خارجها إلى تلك المسافة. ولو كان مقصوده احتساب المسافة من المرقد المقدس لكان ينبغي أن يجيب هكذا: (هم أهل النجف إلى مسافة عشرين كيلو متراً من المرقد المقدس).
وأما ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) ــ من أن قوله ٧ : ((من جميع نواحي مكة)) إنما هو لبيان كون مكة موضوعاً للنواحي لا مبدأً للتقدير ــ فهو على خلاف ما هو المنساق من هذا الكلام عرفاً ولا يمكن المساعدة عليه.
لا يقال: إن الإمام ٧ فسّر حاضري المسجد الحرام بأهل مكة ثم بيّن أن المراد بأهل مكة من يسكنون إلى مسافة ثمانية وأربعين ميلاً، فلو كان مراده من يسكنون إلى هذه المسافة من حدود مكة المكرمة لزم أن يكون سكنة مكة خارجين عن عنوان حاضري المسجد الحرام، وهو بيّن الفساد.
فإنه يقال: إن دخول سكنة مكة في عنوان (حاضري المسجد الحرام) كان أمراً مفروغاً عنه، وإنما تصدى الإمام ٧ لبيان أن المراد بالعنوان المذكور هو أهل مكة بالمعنى الأعم، فكيف يقتضي تحديد مسافة البعد بحدود مكة خروج أهلها عن هذا العنوان؟! بل هم القدر المتيقن ممن يشملهم كما هو ظاهر.
وبالجملة: إن المستفاد من رواية زرارة ــ بصورها الثلاث ــ كون البعد الموجب للتمتع ملحوظاً بالنسبة إلى مكة المكرمة لا المسجد الحرام.