بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢١٣ - في كيفية التعامل مع النصوص المتعارضة في المسألة
الجهة الثالثة: أن روايات عدم الوجوب على أقسام فمنها ما لم يتم سنداً كمرسل يونس وخبر أبي خالد مولى علي بن يقطين فلا عبرة بهما في حدِّ ذاتهما. ومنها ما كانت دلالته على عدم الوجوب بالإطلاق المقامي كمعتبرة ضريس فلا يقاوم مثل صحيح إبراهيم بن أبي البلاد الدال على الوجوب، بل هو يتقدم عليه بلا إشكال. ومنها صحيحة معاوية بن عمار الحاكية لعمرة عائشة وهي لا تصلح قرينة لحمل صحيح إبراهيم بن أبي البلاد على الاستحباب. والوجه فيه: أن حمل التعبير بـ(واجب لا بد منه) الظاهر جداً في اللزوم والوجوب على الاستحباب المؤكد إنما يُلجأ إليه فيما إذا كانت هناك قرينة واضحة ــ كالسيرة العملية القطعية ــ على عدم اللزوم، إذ لا يكون محيص عندئذٍ من الحمل على الاستحباب المؤكد، كما في مورد قوله ٧ في غسل الجمعة: (إنه واجب ولا بد منه) فإن سيرة المتشرعة متصلة بزمان صدور النص قائمة على عدم الالتزام بأداء الغُسل في كل يوم جمعة، ولو كان غُسلاً واجباً كغسل الجنابة لظهر وبان ولم تجرِ سيرة المتشرعة على خلافه.
وأما في المقام فمن الواضح أنه لا يمكن التأكد من جريان السيرة على عدم الإتيان بطواف النساء في العمرة المفردة في عصر صدور النصوص الدالة على الوجوب. نعم مرَّ أن المستفاد من صحيح إبراهيم بن أبي البلاد أن وجوب طواف النساء فيها كان أمراً جديداً بالنسبة إلى جمع من أصحاب الإمام ٧ حيث لم يكونوا على علمٍ به، ولكن هذا لا يعني بوجه قيام سيرة المتشرعة في عصره ٧ أو قبله على عدم الإتيان بطواف النساء في العمرة المفردة.
والحاصل: أنه لا سبيل إلى التأكد من جريان السيرة على عدم الوجوب في زمن صدور النصوص الدالة على الوجوب.
وأقصى ما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار هو أن النبي ٦ لم يأمر عائشة بأداء طواف النساء في عمرتها مما يكشف عن عدم وجوبه آنذاك، وهذا المقدار لا يكفي قرينة على كون النص الدال على الوجوب بلفظ (واجب لا بد منه) الصادر من الإمام الكاظم ٧ محمولاً على الاستحباب، بل لا بد من