بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩٨ - هل تحسب المسافة المذكورة من حيث المنتهى إلى دار الشخص أو إلى أول البلد الذي يسكنه؟
الأمر كما أفاده (قدس سره) من الاختصاص بها لنبّه الإمام ٧ أصحابه على ذلك، لأنها مسألة عامة البلوى يكثر الابتلاء بها خاصة أيام الحج، حيث يأتي إلى مكة الكثير من الناس، وهناك أحكام كثيرة تترتب على عنوان مكة وجوبية وغيرها كلزوم الإحرام منها لحج التمتع، وعدم جواز دخولها إلا محرماً، وتخيير المسافر فيها بين القصر والتمام، وعدم جواز خروج المتمتع منها إلا لحاجة، وعدم جواز إظهار السلاح فيها، واستحباب الغسل لدخولها، وكراهة سكناها، وكراهة تعليق الأبواب على دورها، وغير ذلك من الأحكام. فلو كانت هذه الأحكام كلها مختصة بمكة القديمة مع عدم وضوح تميّزها عن المحلات المستحدثة بها بعد ذلك إلا للقليل من الناس لكان من الحري بالأئمة : تنبيه أصحابهم على ذلك حتى لا يرتبوا أحكام مكة على غيرها، ولو نبّهوا لتمثل ذلك في الروايات وحيث لم يتمثّل دل على عدم اختصاص تلك الأحكام ــ إلا ما استثني ــ بمكة القديمة.
هذا في ما يتعلق بمكة المكرمة، وأما بالنسبة إلى المسجد الحرام فالأمر أوضح مما ذكر، فقد ورد في صحيح جميل بن دراج [١] أنه قال: قال له الطيار وأنا حاضر: هذا الذي زيد هو من المسجد؟ فقال: ((نعم، إنهم لم يبلغوا بعد مسجد إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما)).
فيظهر من هذه الرواية الشريفة أن المسجد الذي خطّه إبراهيم وإسماعيل ٨ كان أوسع من المسجد الذي كان على عهد النبي ٦ ، وأن الزيادات التي أضيفت إلى المسجد كانت في واقعها جزءاً من المسجد في ما مضى، أي أن الناس قد تجاوزوا على جزء من المسجد وبنوا فيه بيوتهم ثم ألحق به مجدداً.
وعلى ذلك يمكن أن يقال: إنه لو بني على أن مبدأ المسافة هو المسجد الحرام وأن العبرة فيه بالمسجد الأصلي فلا بد من احتساب ما أضيف إليه لاحقاً ما لم يتجاوز به عن حدود المسجد الذي خطه إبراهيم وإسماعيل ٨ ، فتأمل.
الأمر الثاني: هل أن مسافة ثمانية وأربعين ميلاً مثلاً ــ التي يجري على
[١] الكافي ج:٤ ص:٥٢٦.