بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٠٠ - هل تحسب المسافة المذكورة من حيث المنتهى إلى دار الشخص أو إلى أول البلد الذي يسكنه؟
ففي معتبرة عبد الله بن بكير [١] قال: سألت أبا عبد الله ٧ عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة، له بها دار ومنزل، فيمر بالكوفة وإنما هو مجتاز لا يريد المقام إلا بقدر ما يتجهز يوماً أو يومين. قال: ((يقيم في جانب المصر ويقصّر)). قلت: فإن دخل أهله؟ قال: ((عليه التمام)). فإن المستفاد منها ــ ومن سائر الروايات الواردة في باب صلاة المسافر وغيره ــ أن عنوان (المنزل) و(الأهل) يقابل عنوان البلدة والقرية ونحو ذلك.
وأما ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) فيلاحظ عليه بأنه لا شك في لزوم أن تكون المسافة بالمقدار المحدد تحقيقاً، فلو نقص عنها بمقدار إصبع واحد لم يثبت الحكم. كما ذكروا مثل ذلك في باب صلاة المسافر، وعلّلوه بأن التحديدات الشرعية مبنية على التحقيق ولا يتسامح فيها، كما هو الحال في الكرِّ وقصد الإقامة ونحو ذلك، فلا يكتفى بالأقل لمنافاته مع التحديد.
فهذا ليس محلاً للإشكال، وإنما الإشكال في أن المسافة اللازم كونها بالمقدار المحدد تحقيقاً هل تحسب إلى أول البلد الذي يسكنه المكلف أو إلى منزله فيه. أي ليس الأمر كما توهمه عبارته (قدس سره) من أن من يقول بأن العبرة بالمنزل يعتبر أن تكون المسافة بالمقدار المحدد تحقيقاً ومن يقول بأن العبرة بالبلد لا يعتبر التدقيق في تحقق المسافة.
وأما استشهاده (قدس سره) على كون العبرة بالبلد لا المنزل بما ورد في بعض النصوص من نفي المتعة عن أهل مَرّ وأهل سَرِف فهو غير تام، لأنه إنما يتم لو كان جزء من البلدين يقع في ضمن المسافة وجزء منهما في خارجها فإنه يصح أن يقال عندئذٍ: إن الإمام ٧ لما نفى المتعة عن أهل مَرّ وأهل سَرِف مع أن قسماً منهم داخل المسافة وقسماً آخر خارجها دل ذلك على كون المناط في احتساب المسافة هو حدود المدينة لا منزل المكلف فيها. ولكن الثابت خلاف ما ذكر فإن سَرِف كانت على بعد ستة أميال عن مكة وقيل: سبعة وقيل: اثنا عشر، وأما مَرّ فكانت على بُعد ثلاثة عشر ميلاً وقيل: ستة عشر وقيل: أربعة وعشرين، وعلى
[١] الكافي ج:٤ ص:٤٣٥ــ٤٣٦.